الثاني : الإشعار بما يعرض في الكلمة في بعض المواضع من ظهور كسرة أو ياء حسب ما تقتضيه التصاريف دون الأصل ، كما تقدم في غزا ، وطاب .
الثالث : الإشعار بالمشبه المشعر بالأصل ، وذلك كإمالة ألف التأنيث والألف الملحقة .
وأما فائدة الإمالة : فهي سهولة اللفظ ؛ وذلك أن اللسان يرتفع بالفتح ، وينحدر بالإمالة ، والانحدار أخف على اللسان من الارتفاع ؛ فلهذا أمال من أمال من العرب .
وأما من فتح فإنه راعى كون الفتح هو الأصل ؛ فلم يعدل عنه وإن كان غيره أخف منه .
ويزاد في تعليل الفتح فيما إمالته الإشعار بالأصل ، أن يقال : إذا كان اللازم في الكلام ترك لفظ الياء التي هي الأصل والعدول عنها إلى أن تقلب ألفا في نحو « الهدى » ، و « قضى » إذ الألف أخف من الياء المتحركة ، فلا يعاد إلى التنبيه على أمر قد ترك ، وأصل قد رفض كما قال الشاعر : [ من الطويل ]
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن * إليه بوجه آخر الدهر ترجع
ويزاد في تعليل الفتح فيما إمالته الوجهين الأخيرين من أوجه الإشعار أن يقال :
إذا صح في فصيح الكلام ترك الإمالة حيث يكون سببها قائما ، وهو ما أميل للمناسبة وحيث يكون سببها مقدرا ، وهو الوجه الأول من أوجه الإشعار - فالأحرى أن تترك حيث لا سبب في اللفظ ، ولا في التقدير ، والله - جل ذكره - أعلم .
فإذا تقرر ما تقدم ، فأرجع إلى مذاهب القراء في الفتح والإمالة فأقول :
اختلف القراء في أصل الإمالة :
فمنهم من تركها رأسا ، ولم يمل شيئا من ألفاظ القرآن البتة ، وهو ابن كثير وحده .
ومنهم من أمال وهم الباقون ، لكن منهم من استعملها قليلا وهم قالون ، وابن عامر ، وعاصم .
ومنهم من استعملها كثيرا ، وهم حمزة ، والكسائي ، وأبو عمرو ، وورش .
وأقلّ الكلّ إمالة : قالون وحفص .
وأكثرهم إمالة : حمزة ، والكسائي ، على ما تراه مبسوطا بعد هذا الإجمال بحول الله تعالى .