مقتضى القاعدة عند تعدد أسباب النزول
وقد سبق أنّ لأسباب النزول دورا كبيرا ودخلا كثيرا في استكشاف المفاهيم القرآنية واستظهار المعاني المقصودة من الآيات ؛ نظرا إلى نزولها تدريجا في ضمن وقائع وبمناسبة حوادث واقعة في طول زمان حياة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله . ومن هنا يكون بين مضامين الآيات القرآنية وبين أسباب نزولها من الارتباط والعلاقة العريقة .
ومن أجل ذلك ينبغي للمفسّر في تفسير القرآن قبل أيّ تحقيق أن يفحص عن أسباب نزول الآيات وإحراز صحة طرق نقلها ؛ حتى يصير بصيرا في تفسيرها .
ومن هنا كان دأب الأقدمين من المفسّرين - كابن عبّاس - عناية خاصّة بأسباب نزول الآيات ، كما تشهد لذلك قصّته المعروفة من سعيه مدّة مديدة وترصّده وقتا للخلوة مع عمر ؛ ليسأله عن مورد نزول قوله تعالى :
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
« 1 » ، حتى سأله عن ذلك وعرف زوجتي النبيّ صلّى اللّه عليه وآله اللّتين نزلت فيهما الآية ، وهما عائشة وحفصة . وقد روى ذلك كثير من رواة العامّة ومفسّريهم « 2 » .
ولكن في المقام مشكلة ، وهي أنّ في مواضع كثيرة ، تعدّد واختلف ما نقله المحدّثون والمفسّرون ، من سبب النزول في آية واحدة .
فما هو مقتضى القاعدة حينئذ ؟
مقتضى التحقيق : أنّ الأسباب والموارد المرويّة لنزول آية من الآيات القرآنية ، إن كانت مشتركة متوافقة في صدق مضمون الآية ؛ بأن دلّت الآية على كبرى كلية يندرج فيها جميع ما نقل من أسباب النزول ، فلا مشكلة في البين ، ولا كلام في ذلك .
وإنّما الكلام فيما إذا اختلفت أسباب النزول المنقولة في الفرض المزبور ،
هامش
( 1 ) التحريم : 4 .
( 2 ) الدرّ المنثور : ج 6 ، ص 242 . / الجامع لأحكام القرآن : ج 1 ، ص 26 .