تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ
فأتى بالضمير الفاعل ، وكان يعقل من قوله :
كَذَّبُوا بِآياتِنا
أي : إنا عرضناهم للإيمان ، ومكناهم من الإسلام ، وأزحنا العلة ، ونصبنا الأدلة ، فكذبوا بها ، فالذي حقت له العبادة ، وعظمت منه النعمة أخذهم بذنوبهم ، واللّه يعاقب الكفار عقوبة تشتد عليهم ، ولا تخفف عنهم لما قدموا من العصيان ما استمر مثله ، ولم ينقل عنه قدم ولا عقبه بعد الإصرار عليه ندم . فهذه فائدة العدول إلى لفظة « اللّه » في قوله تعالى :
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
دون قوله : فأخذناهم . المسألة الثانية أن يسأل عن الكاف في
كَدَأْبِ
ووجه اتصالها بما قبلها وموضعها من الإعراب ، لأنها بمعنى « مثل » ، والكاف التي يصح مكانها « مثل » محكوم على موضعها برفع ، أو نصب ، أو جر . الجواب عنها أن يقال : يجوز أن تكون الكاف متعلقة بقوله :
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
« 1 » فيكون موضع الكاف نصبا على معنى المصدر كأنه قال :
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
مثل ما لم تغن عن آل فرعون أي : إذا جاء عقاب اللّه لم يدفعه المال والولد ، كما لم يدفع ذلك عن آل فرعون والدأب أصله الهمز وهو العادة وما جرى عليه قوم في معاملة ، ويجوز أن تكون الكاف متعلقة بمعنى قوله :
وَقُودُ النَّارِ
« 1 » كأنه قال : وأولئك يصلون النار كما أجرى اللّه حكمه عادة لآل فرعون ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون موضع الكاف رفعا على أنه خبر ابتداء ، كأنه قال : حال هؤلاء مثل حال آل فرعون ودأبهم كدأبهم . المسألة الثالثة في الآية الثانية هي مخالفتها للآية الأولى في إجراء الخبر كله على لفظة واحدة ، وهي لفظة « اللّه » ؛ لأنه قال تعالى :
كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ
ولم يقل : كفروا بآياتنا كما قال في الأولى . الجواب عن ذلك أن يقال : إن الآية التي تقدمت هذه هي قوله :
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
« 3 » فجرى الخبر في هذه الآية على اللفظ الظاهر وهو
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
ثم جاء بعدها :
هامش
( 1 ) سورة : آل عمران ، الآية : 10 . ( 3 ) سورة : الأنفال ، الآية : 49 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 46 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي