للبعد ، فوقعت مظاهرة بالأمر بتولي القبلة في القرب والبعد ، ولفظة
خَرَجْتَ
لفظة الماضي وهي في موضع المستقبل ؛ لأن المعنى معنى الشرط والجزاء ، « وحيث » وحدها وإن تضمنت معنى الشرط ؛ فإنه لا يجزم بها الفعل المستقبل بل تقول : من حيث تخرج ، فترفع الفعل ، فإن أردت : من أي موضع يخرج ، فأي موضع يجزم الفعل ، « وحيث » لا تجزمه إلا إذا قارنتها « ما » ، فتقول : حيثما تنزل أنزل ، فإن قلت : حيث تنزل أنزل ، بطل الجزم ووجب الرفع ، فقوله تعالى :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ
. كنتم في هذا المكان في موضع فعل مجزوم ، فكأنه قال :
وَحَيْثُ ما
تكونوا
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
وليس كذلك
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ
، إلا أنه لا يخرج عن تضمن معنى الشرط . يبين ذلك دخول الفاء في الجواب ولولا هذا المعنى ما احتيج إليها ، فلهذا قلنا إن الماضي بعدها بمنزلة المستقبل ، كما يكون في قولك : إن خرجت خرجت ، إلا أن الماضي لا يجزم كما لا يجزم الفعل في صلة « الذي » وإن دخله معنى الشرط ، إذا قلت : الذي يزورني فله درهم فأوجبت الدرهم بالزيارة ، « وحيث » في هذا الموضع على غير ما هي عليه في قولك : قعدت اليوم حيث قعدت أمس ؛ لأن تلك شائعة كشياع الأسماء التي تقع بمعنى الشرط ومجازاتها .
الآية الرابعة عشرة
قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
« 1 » وفي هذه الآية موضعان يشابهان موضعين من آيتين أخريين . الأول قوله :
ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا
وبإزائه في سورة لقمان « 2 » :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
. والموضع الثاني قوله في سورة المائدة « 3 » :
أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
.
للسائل أن يسأل ، فيقول : هل لتخصيص الموضع الذي في البقرة بقوله
أَلْفَيْنا
دون
وَجَدْنا
فائدة تخصه ؟ وهل لتخصيص الموضع الثاني بقوله :
لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً
دون قوله
لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً
فائدة ؟ وهل لتخصيص
لا يَعْلَمُونَ
في موضعه دون قوله :
لا يَعْقِلُونَ
في موضعه فائدة ؟
هامش
( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 170 .
( 2 ) الآية : 21 .
( 3 ) الآية : 104 .