للسائل : أن يسأل عن اختصاص هذا المكان بقوله :
بَلْ وَجَدْنا
وخلو المكان الأول منها .
الجواب : أن يقال : إن الآية الأولى وقع السؤال فيها على وجه لا يقتضي بل في الجواب ؛ لأنه قال : ما هذه الأصنام التي نحتموها تماثيل وعكفتم عليها ؛ فكأنه سفه آراءهم وقال لهم : لم تفعلون ذلك وتعبدون ما تنحتون ؟ فقالوا :
وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ
فاقتدينا بهم ، وفي سورة الشعراء تقدم سؤال أضربوا عنه ونفوا ما تضمنه ؛ لأنه قال :
هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ
« 1 » فقالوا مضربين عن هذه الأشياء التي وبخوا عليها من عبادتهم ما لا يسمع ولا ينفع ولا يضر ، وما يعلمون أنه جماد لا حياة فيه ، ولا نفع ولا ضرر عنده ، فكأنهم قالوا :
بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
فلأن السؤال هنا يقتضي في جوابهم أن ينفوا ما نفاه صلّى اللّه عليه وسلم أضربوا عنه إضراب من ينفي الأول ويثبت الثاني ، فاختصاص المكان ب « بل » لهذا .
الآية الثالثة منها
قوله تعالى :
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ
« 2 » وقال في سورة الصافات « 3 » :
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ
.
للسائل أن يسأل فيقول : هذا في قصة واحدة جاء في موضع
الْأَخْسَرِينَ
، وفي موضع
الْأَسْفَلِينَ
فهل في كلّ من المكانين ما يختص باللفظ الذي خص به ؟ .
الجواب أن يقال : ما في سورة الأنبياء فإن اللّه تعالى أخبر فيها عن إبراهيم عليه السّلام أنه قال :
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
« 4 » ، ثم أخبر عن الكفار لما ألقوه في النار وأرادوا به كيدا
فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ
والكيد : سعي في مضرة ليورد على غفلة ، فذكر مكايدة بينهم وبين إبراهيم عليه السّلام فكادهم ولم يكيدوه فخسرت تجارتهم ، وعادت عليهم مكايدتهم ؛ لأنه كسر أصنامهم ولم يبلغوا من إحراقه مرادهم فذكر :
الْأَخْسَرِينَ
؛ لأنهم خسروا فيما عاملهم به وعاملوه من المكايدة التي أضيفت إليهما . وأما التي في سورة الصافات ، فإن اللّه تعالى أخبر عن الكفار فيها بما اقتضى من
الْأَسْفَلِينَ
وهو أنه قال :
هامش
( 1 ) سورة : الشعراء ، الآيتان : 72 ، 73 .
( 3 ) الآية : 98 .
( 2 ) سورة : الأنبياء ، الآية : 70 .
( 4 ) سورة : الأنبياء ، الآية : 57 .