به عن بعض ، وهذا كما قال في موضع لموسى وحده :
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ
وفي موضع آخر :
أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
؛ لأن هارون تابع له وداخل في حكمه وأبان ذلك في موضع فقال :
فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
« 1 » وقال بعده :
فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ
« 2 » .
الآية الثالثة منها
قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
« 3 » وقال في سورة السجدة « 4 » :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ
.
للسائل أن يسأل في هذه الآية عن موضعين :
أحدهما اختصاص الأولى بالفاء ، والثانية بالواو .
والثاني : أنه قال في السجدة :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ
.
فأدخل « من » على « قبلهم » هنا ، ولم يدخلها هناك مع تساوي المعنيين والمكانين فقال للسائل عن ذلك : لما كانت هذه الآية مفتتحة بقوله :
أَ فَلَمْ
وتلك مفتتحة بقوله :
أَ وَلَمْ
اختلفتا من هذه الجهة فكان ما دخلته الفاء ؛ لأنه يتعلق بما قبله تعلق الجواب بالمبتدإ والجزاء بالشرط ، فتكون جملة تمامها بجملة قبلها يثقل يختار فيه التخفيف ، وما دخلته الواو لا يقتضي ما تقتضيه الفاء بنفسها ، بل حقه الانقطاع عما قبله ، ولذلك يجوز أن يكون المؤخر بعدها في اللفظ مقدما في المعنى . وأما دخول
مِنْ
وحذفها فقد بيّناه في قوله :
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ
« 5 » وفي موضع آخر
بَعْدَ ما جاءَكَ
« 6 » ، وهو أن القائل إذا قال :
كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ
فكأنه قال : في الزمن المتقدم على زمانهم ، وإذا قال :
مِنْ قَبْلِهِمْ
، فكأنه قال : من مبتدأ الزمان الذي قبل زمانهم ، والزمان من أوله لآخره ظرف للإهلاك ، لا يختصّ به بعضه دون بعض . فإن قال : فلم جاء في سورة طه :
أَ فَلَمْ يَهْدِ
بالفاء . . قلت : لأنه تقدم قوله :
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها
« 7 » ، ومعناه : فتركت الاهتداء بها ، ثم قررهم على
هامش
( 1 ) سورة : الشعراء ، الآية : 16 .
( 5 ) سورة : البقرة ، الآية : 145 .
( 2 ) سورة : طه ، الآية : 47 .
( 6 ) سورة : الرعد ، الآية : 37 .
( 3 ) سورة : طه ، الآية : 128 .
( 7 ) سورة : طه ، الآيتان : 125 ، 126 .
( 4 ) الآية : 26 .