تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
« 1 » وبعده
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ
« 2 » ثم قال :
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
. وإذا اختلف المخاطبون بما بينا في الآيتين كان قوله :
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
بعد قوله :
قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ
معناه أن اللّه قد أخبرنا بأخباركم التي تخفونها في أنفسكم وتجاهرون بها من كان من المنافقين مثلكم واللّه يرى ما سيكون منكم بعد ويرى رسوله باطلاع اللّه له عليه ، وأعمالهم التي لأجلها يحكم عليهم بالنفاق يراها اللّه تعالى ويطلع عليها رسوله صلّى اللّه عليه وسلم وما كل مؤمن يعلمها ، فلذلك لم يقل في هذا المكان
وَالْمُؤْمِنُونَ
بعد قوله :
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
. وأما الآية الثانية فإنها فيمن أمر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم وهو الذي أوجب عليهم الصدقات بأن يقول لهم : اعملوا ما أمركم اللّه به من الطاعات كالصلوات والصدقات فإن اللّه ورسوله والمؤمنين يرون ذلك ، وهذه الأعمال مما ترى بالعين خلاف أعمال المنافقين التي تقتضي لهم النفاق لإضمارهم خلاف إظهارهم وهو مما لا يرى بالعين ، وإنما يعلمه عالم الغيب ، فلذلك لم يذكر المؤمنون في الأولى وذكروا في الثانية . الجواب عن المسألة الثانية : إن معنى قوله للمنافقين :
قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
أي : سيعلم اللّه حقيقة عملكم وأنه عن غير صحة اعتقاد منكم وأن اعتذاركم قول بلسانكم لا يطابقه منطوى ضميركم ، وهذا ظاهر بكون الجزاء عليه خلافه ، ففصل بينه وبين ردهم إلى اللّه تعالى للجزاء عليه بقوله :
ثُمَّ تُرَدُّونَ
أي : عملكم يعلم اللّه من باطنه خلاف ظاهره ، وقد أمرنا بالرضاء به وحقن دمائكم له ، ثم إن الحكم إذا رددتم إلى اللّه تعالى في الآخرة بخلافه ، فلبعد ما بين الظاهر من عملهم وما يجازون به دخلت « ثم » وليست كذلك الآية الأخيرة ؛ لأن قبلها بعثا على عمل الخير لقوله :
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
وهذا وعد والأول وعيد وبعده « ستردون » ؛ لأنه وعد مما يشاكل أفعالهم ويطابق أعمالهم من حسن الثواب وجميل الجزاء ، ولم يبعد عنها كبعد جزاء المنافقين عما هو ظاهر من أعمالهم التي يراءون بها ويعلم اللّه تعالى خلافها منهم ، فجرى الكلام على نسق واحد فقال : فسيرى اللّه عملكم وستردون ، ولم يدخل « ثم » التي هي للتراخي والتباعد ، فاختصاص كل موضع بما اختص به من اللفظ لما ذكرنا .
هامش
( 1 ) سورة : التوبة ، الآية : 103 . ( 2 ) سورة : التوبة ، الآية : 104 .