صار كأنه منفصل عن الفعل في الحكم وإن كان متصلا به في اللفظ ، وجواب الأمر الذي هو قوله :
اسْكُنُوا
قوله :
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ
.
الجواب : في حكم الابتداء ينفصل كما ينفصل ، ولا دليل في اللفظ على انفصاله إلا بفصل ما أصله أن يكون متعلقا به بحرف عطف ، وهو
سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
، وبحذف الواو منه ، واستئنافه خبرا مفردا ، وهذه المسألة هي التي غلط فيها أبو سعيد السيرافي في أول ما شرحه من ترجمة الكتاب ، وهو قوله : هذا باب علم ما الكلم من العربية ، وعده للوجوه التي تحتملها هذه اللفظة ، وذكر في جملتها : هذا باب أن يعلم ما الكلم من العربية فجعل ما الكلم من العربية ، وهي جملة في موضع الفاعل من يعلم وهذا ما يأباه مذهبه ومذهب أهل البصرة ، وقد أومأت إلى غرضي فيما يجوز أن تكون الواو له محذوفة من قوله :
سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
في سورة الأعراف ، وثابتة فيه في سورة البقرة فتأمله فإنه مسألة مشكلة في النحو تفهمه إن شاء اللّه تعالى .
المسألة السادسة : في هذه الآية قوله تعالى في هذه السورة :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ
« 1 » وفي سورة الأعراف « 2 » في هذه القصة :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ
.
للسائل أن يسأل فيقول : هل في زيادة « منهم » في هذه الآية في سورة الأعراف حكمة وفائدة يقتضيانها ليستا في سورة البقرة ؟
الجواب أن يقال : إن قوله :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
وإن لم يذكر فيه « منهم » معلوم أن المراد بالظالمين : الذين ظلموا من المخاطبين بقوله :
ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا
وَقُولُوا حِطَّةٌ
فالذين ظلموا من هؤلاء هم الموصوفون بالتبديل والمغيرون لما قدم إليهم من القول ، إلا أن في سورة الأعراف معنى يقتضي زيادة « منهم » هناك ، ولا يقتضيها هنا وهو أن أول القصة في الأعراف مبني على التخصيص والتمييز بدليل لفظة « من » ؛ لأنه تعالى قال :
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
« 3 » فذكر أن منهم من يفعل ذلك ، ثم عدد صنوف إنعامه عليهم ، وأوامره لهم ، فلما انتهت قال :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا
فأتى في آخر ما حكى عنهم من مقابلة نعمة اللّه
هامش
( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 59 .
( 2 ) الآية : 162 .
( 3 ) سورة : الأعراف ، الآية : 159 .