تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
ولهذا كان السمع هو المعيار الأول ، وفي هذا الصدد يقول إبراهيم أنيس : « وفي رأيي أن هذه الظاهرة الموسيقية في اللغة العربية تعزى إلى تلك الأمية حين كان الأدب أدب الأذن لا أدب العين ، وحين اعتمد القوم على مسامعهم في الحكم على النص اللغوي ، فاكتسبت تلك الآذان المران والتمييز بين الفروق الصوتية الدقيقة » « 1 » . ولا يعني هذا مجرد استمتاعهم بصوتيات القرآن ، فقد عرفوا أيضا أنها قوالب فنيّة لمضامين فكرية جديدة ، فالتعلّق لم يكن شكليا محضا ، ونحن نعترف بأن كتابة الشعر كانت قليلة في الفترة الجاهلية ، وهنالك أمم كثيرة بدأت نتاجها الأدبي بالأدب الشفوي ، وكانت تهتم بتصوير الأساطير ، ولكن لا تمتلك لغاتها هذه الموسيقية ، إلا أنها غنّت نتاجها الأدبي ، وكذلك كانت الالياذة والأوديسة . ونرجّح أن السبب هو طبيعة اللغة العربية التي نشأت موسيقاها وفق ذوق أوّلي ، ثم صار هذا الذوق قانونا موسيقيا ، ثم نزل القرآن الكريم بتشكيل فريد ، وذلك بلجوئه إلى مزية خاصة ، وتخيّره وتهذيبه للمفردات ، وليس من الضروري أن يكون تفشّي الأمية السبب الوحيد ، لأن الشعر قديم ، ولكل قديم منه معايشة شفوية في زمن ما . ونودّ في هذه الفقرة أن نبين أن دراسة العنصر الموسيقى للقرآن ليست وليدة عصرنا ، وما يشغلنا هاهنا محاولة استقصاء بعض الدلائل والمواقف التي تبرهن على وجود تذوق سمعي عاصر البعثة النبوية الشريفة ، وكذلك نبحث في الدلائل القرآنية الداعية إلى مراعاة الإعجاز الموسيقى وتفهّمه ، وكذلك لا بدّ من الإشارة إلى مقارنتهم القرآن بالشعر وقضية المعارضة التي تتصل بموسيقا القرآن .
هامش
( 1 ) أنيس ، د . إبراهيم ، 1963 ، دلالة الألفاظ ، ط / 2 ، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة ، ص / 195 .