الزمخشري « 1 » ، وهو الذي أدرك جودة التعبير والإيحاء الذي يخرج بالكلمة من مجال الاستعمال اللغوي المادي ، كما سنرى في الفصل الرابع من البحث .
لقد سبق أبو هلال العسكري « 2 » الجرجاني بزمن ، ووضع كتابه « الفروق في اللغة » مما ينفي الترادف ، وعلى الرغم من هذا لا يعترف الجرجاني بالفروق ، فكأن التفاضل مرحلة أوّلية يجتازها إلى كلية النظم ، ورعايته لما اختير ، وهو يرى أن قوالب النحو أهمّ ممّا في القوالب .
ومن منطلق الفروق اللغوية انصبّت الانتقادات عليه ، فالتنكير مثلا حين يكون في اسم ما داخل صياغة ينمّ على غموض وكثرة وتهويل ، ولكن التنكير نفسه إذا وقع في اسم مغاير ، ربّما يعطي تأثيرا أكبر ، وتمكينا للمعنى المراد .
لقد حسب الدارسون أن الزمخشري طبّق ما جاء في كتابي الجرجاني « دلائل الإعجاز » و « أسرار البلاغة » في تفسيره ، يذكرون ذلك غير آبهين غالبا بانتباه الزمخشري إلى ما عاداه الجرجاني من جمالية المفردات وتراكيبها الداخلية ، فلم يكن هناك دارس بمستوى غلوّه ، كما تبين لنا من الجاحظ والخطابي ، وإذا أنكروا إعجاز المفردة ، فهم لم ينفوا عنها الفصاحة .
وبعض الدارسين يتحرّى جمال المفردات ، وهو أقرب إلى النظم منه إلى المفردة ، وذلك من دون تفريق ، كما نجد عند ابن الأثير ، فما موقع المفردة في الجملة إلا جزء من الصّياغة الكلية ، وهي دائرة الجرجاني ، يقول ابن الأثير :
« جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر ، فجاءت في القرآن جزلة
هامش
( 1 ) هو محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي ، جار اللّه ، من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب ، ولد في زمخشر من قرى خوارزم ، وجاور مكة زمنا ، فلقب بجار اللّه ، وكان معتزلي المذهب مجاهرا ، شديد الإنكار على المتصوفة ، توفي في جرجانية سنة 538 ه ، من كتبه : « الكشاف » و « أساس البلاغة » و « المفصل » في النحو ، و « الفائق في غريب الحديث » ، انظر الأعلام : 3 / 1017 .
( 2 ) هو الحسن بن عبد اللّه بن سهل ، ولد في عسكر مكرم في الأهواز ، عالم بالأدب واللغة ، توفي ببغداد سنة 382 ه ، ومن تصانيفه : « جمهرة الأمثال » و « كتاب الصناعتين » و « النظم والنثر » و « ديوان المعاني » و « الفروق في اللغة » و « التفضيل بين بلاغتي العرب والعجم » وغيرها . انظر الأعلام : 1 / 229 .