والشكر » « 1 » .
وفي كلامه بعد نظر إلى ما أغفله الدارسون الذين تعاظموا مخالفة الجرجاني في مسألة النظم .
وإذا كان في تعليقه السابق يبيّن خروج الناس عن الجادّة المستقيمة في استعمال القرآن ، فإنه في مكان آخر يوغل في كشف العامل النفسي ، والبعد الإنساني لتفضيل مفردة على أخرى ، فهو يقول بصدد الآية الكريمة :
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ
« 2 » : « وقولهم : إن المستعمل في الزكاة المعروض لها من الألفاظ الأداء والإيتاء والإعطاء ، ونحوها كقولك : أدّى فلان زكاة ماله ، وآتاها ، وأزكى ماله ، ولا يقال : فعل فلان الزكاة ، ولا يعرف ذلك في كلام أحد ، فالجواب أن هذه العبارات لا تستوي في مراد هذه الآية ، وإنما تفيد حصول الاسم فقط ، ولا تزيد على أكثر من الإخبار عن أدائها فحسب ، ومعنى الكلام ومؤدّاه المبالغة في أدائها ، والمواظبة عليه حتى يكون ذلك صفة لازمة لهم ، فيصير أداء الزكاة فعلا لهم مضافا إليهم ، يعرفون به ، فهم له فاعلون » « 3 » .
فالأمر ليس مطابقة الدال للمدلول بقدر ما هو تأثير نفسي للكلمات وإيحائها بمعان سامية ، وليس المقصود هنا المبالغة كما رأى ، بل المقصود توصيل الشريعة الغراء للإنسان إلى أسمى المراتب ، حتى تصبح المثالية الإنسانية طبعا فيه .
والمسألة ليست لغوية فحسب ، وإنما هي وجود لما لم يكن موجودا ، وبما أن « الفعل » عام ، ومظهر لوجود المرء ، وشكل لفاعليته في معاشه ، فكأن الزكاة طبع في المسلم ، وهو بذلك أرقى من غيره ، والفعل يدلّ على الحركة ، فيتجاوز الأقوال ، ويدلّ على الحركة والعمل ، ليكفي المرء نفسه ، ويعمل على مساعدة الآخرين .
ومثل هذه الوقفات على الدّلالة النفسية كثيرة في « كشاف »
هامش
( 1 ) الخطابي ، ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص / 26 .
( 2 ) سورة المؤمنون ، الآية : 4 .
( 3 ) الخطابي ، ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص / 41 .