تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
ووقفات المحدثين على قلتها تتّسم بالغنى والعمق ، وهي لا تأتي تحت عنوان معيّن ، فهذه الجمالية لم تكن تحت عنوان ائتلاف اللفظ والمعنى ، أو مشاكلة اللفظ للمعنى ، أو الفروق اللغوية ، أو مراعاة النظير ، شأن القدامى ، إن هي إلا نظرات فنية تستوفي الأبعاد النفسية ، وهي التي لم يهملها أسلافنا في الغالب ، إلا أنه يؤخذ على الباحث الحديث الاكتفاء بالذات الشاعرة ، وهذا كثير في أسلوب سيّد قطب . ومن الواضح الجلي الذي يدلّ على العمق النفسي ما يرد في كتب الدكتور نور الدين عتر على اختلاف مناهجها ومقاصدها ، وقد قدّم شذرات رائعة في تفسيره لبعض السّور ، وفي قوله عزّ وجلّ :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ
« 1 » يدلنا على جمال الفرق ، إذ يقول « فعبّر بكلمة « ووصّينا » بدلا من أمرنا ، إشعارا بأنّ المسألة مفروغ منها تحتاج إلى تحريك النفس نحوها ، لا إلى الإلزام » « 2 » . وبهذه الطريقة السامية يقرّر القرآن الكريم أحكامه الشرعية ، فقد أحاط بالإلزام رفعة المخاطبة مع بعث الرّحمة في التّوصية . ونرى أن دراسة عائشة عبد الرحمن تتسم بالموضوعية الواضحة ، لأنها تنطلق من الأصل اللغوي في استعمال العرب ، وترصد استخدام المفردة المدروسة في القرآن كلّه ، ومن ثمّ تفرغ للدلائل النفسية التي تبثّها المفردة المنتقاة من بين مرادفاتها ، وهذا لم يبعد عن ذهن الزركشي مثلا .

- ظلال الدلالة الخاصة :

لا نقف هنا على الفروق ، إنما نتتبّع ما ورد عند الباحثين حول اختيار مفردة تلقي إشعاعا شاملا في مفردات السياق كلّه ، من حيث لا يسدّ غيرها هذا المكان ، وتنفرد بمكانها من حيث ملاءمة أقصى التأثير ، وقد تكون الكلمة عادية في استعمالنا ، فإذا قرأناها في الآيات ، وجدنا أنها تتجاوز كلّ تعابيرنا ،
هامش
( 1 ) سورة لقمان ، الآية : 14 . ( 2 ) عتر ، د . نور الدين ، محاضرات في التفسير : 67 ، وهي فائدة لطيفة أتى بها في هذا المقام .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 296 | احمد ياسوف