تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
أقوى ، ولا يحيط به تصوّر ، كما عدل عن الرؤية إلى الظمأ لعمق الصلة بالجسم . وإذا كان الرماني قد وجد أن هذا يتطلبه التأثير الأقوى ، وهو مناسب للموقف فإن أبا هلال العسكري يصنف مثل هذه اللمحة الفنية تحت عنوان « المبالغة » ومن شواهد هذا الفصل قوله عزّ وجلّ :
يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
« 1 » وقد جاء فيه : « ولو قال : تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا ، وبلاغة كاملة ، وإنما خصّ المرضعة للمبالغة ، لأن المرضعة أشفق على ولدها ، ولمعرفتها بحاجته إليها ، وأشغف به لقربه منها ولزومها له » « 2 » . ونستنتج مما سبق أن طريقة الرماني والخطابي أكثر إرضاء للذوق ، فالرماني مثلا يقدّر كلمة بليغة ، ويرى أن الكلمة القرآنية أبلغ ، فالجمال درجات ، أو كما يقول « طبقات » ، ويؤخذ على العسكري تمسّكه بمصطلح « المبالغة » التي كثيرا ما تشين الشعر ، ففي القرآن تأثير عميق ، ولا يوجد مبالغة ، ويبدو أنه يريد المبالغة في التأثير . وقد عني الشريف الرضي بمجازات القرآن ، وتفسيرها من خلال العودة إلى حيز الحقيقة ، ولكنا لا نعدم شذرات رائعة تمثّل ذوقا رفيعا إزاء بعض المفردات القرآنية ، وعندئذ يتناسى الاصطلاح وتقعيده ، ويقول تعالى عن أهل الكتاب الذين كتموا خبر النبي المبعوث :
أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
« 3 » وقد قال الشريف الرضي : « وقوله سبحانه :
فِي بُطُونِهِمْ
زيادة معنى ، وإن كان كلّ آكل إنما يأكل في بطنه ، وذلك أفظع سماعا ، وأشدّ إيجاعا ، وليس قول الرجل للآخر : إنك تأكل النار مثل قوله : « إنك تأكل النار في بطنك » « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة الحج ، الآية : 2 . ( 2 ) العسكري ، أبو هلال ، كتاب الصناعتين ، ص / 365 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 174 . ( 4 ) الشريف الرضي ، محمد بن الحسين ، تلخيص البيان في مجازات القرآن ، ص / 119 .