تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
إنه يشير إلى دقّة الزمن المطلوب في كل من الدلالتين ، ولم يكن أساسه من الموروث اللغوي ، بل برهن على اطراد هذا الاستعمال في القرآن ، وهو لا يتأثّر بالخطّابي الذي رأى خصوصية « فعل » بالعقوبات ، فقد اختصّ « فعل » بالأفعال القبيحة من البشر
أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
« 1 » ، فقد دلّنا الزركشي إلى أن « فعل » إذا نسب إلى اللّه فإنه يتّسم بالقوة والسرعة ، ولا يقتصر على معنى العقوبة « 2 » ، كما مرّ في الفصل الأول ، يقول تعالى :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
« 3 » . وكل مظاهر القيامة تدلّ على السرعة والقوة . من يطالع أسفار الدارسين القدامى يجد أن هذه المادة أي - مناسبة المقام - وفيرة ، وذلك لأسباب عدة ، وهي أنهم ناضلوا بإخلاص جاهدين للرّدّ على الملاحدة الذين يدّعون التناقض في القرآن الكريم ، والخطل في استعمال مفرداته ، فكان لا بدّ من تبيين سبب ذكر الانبجاس في موضع ، والانفجار في موضع آخر وعلّة تقديم موسى على هارون في موضع ، وهارون على موسى في موضع آخر عليهما السلام . ويضاف إلى هذه الغاية الدينية الخالصة محبّتهم العميقة لأسلوب كتاب دنياهم وآخرتهم ، فمنه استلهموا أسس حياتهم ، وأرسوا قواعد مجدهم ، وهذا مما حدا بهم على إبراز جماليات دقة الاختيار في الكتاب المعجز . ومن هذه الأسباب وفرة الثروة اللغوية ، فأكثرهم لغويّ متمعّن ، كما يظهر في مناقشاتهم ، ومنهم من كان ذا مكانة كبيرة في اللغة كالزمخشري والسّيوطي . ومن هذه الأسباب أيضا قرب عهدهم بزمن الفصاحة ، لذلك وجد المحدثون الكفاية في كتب أسلافهم ، وأكثر من اهتمّ بالفروق عائشة عبد الرحمن ، وقد ذكرنا نتفا من كتابيها في الفصل الأول ، حيث كانت تنفي وجود الترادف في القرآن وتقرّ به في اللغة .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 173 . ( 2 ) انظر الخطابي ، ثلاث رسائل ، ص / 53 . ( 3 ) سورة الأنبياء ، الآية : 104 .