تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
والمعنى ، وهو في مفهومنا المعاصر احتواء المفردة موضوعها : « فإنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنّسبة إلى أخواتها ، فإن « واللّه » و « باللّه » أكثر استعمالا ، وأعرف عند الكافّة من « تاللّه » لمّا كان الفعل الذي جاور أغرب الصّيغ التي هي في بابه ، فإن « كان » وأخواتها أكثر استعمالا من « تفتأ » وأعرف عند الكافّة ، ولذلك أتى بعدهما بأغرب ألفاظ الهلاك ، وهي لفظة « حرض » ، ولمّا أراد غير ذلك قال في غير هذا الموضع :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
« 1 » ، لمّا كانت جميع هذه الألفاظ مستعملة ، وعلى هذا فقس ، واللّه أعلم » « 2 » . فالغرابة تمثّل انسجام مفردة مع ما يجاورها ، ويبدو أن غرابة الموقف تحكّمت في اختيار المفردات المعبّرة ، إضافة إلى النّبرة القوية التي تمثّل غضبهم واشمئزازهم ، وقد تحدثنا عن جمالية الصوت التي رآها عبد الكريم الخطيب في هذا الشاهد . والجدير بالذكر أن هذه المفردة ذكرت مرة أخرى في السورة نفسها ، فعلى لسانهم يقول عز وجل :
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا
« 3 » ، والموقفان متشابهان . ومما يعضد هذا تأمل الرافعي في كلمة « ضيزى » في قوله تعالى :
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
« 4 » ، يقول : « وفي القرآن لفظة غريبة ، وهي من أغرب ما فيه ، وما حسنت في كلام قطّ إلا في موقعها منه ، فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها ، وكانت الجملة كلّها كأنّها تصور في هيئة النّطق بها الإنكار في الأولى ، والتّهكم في الثانية ، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة ، وخاصّة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل ، ووصفت حالة
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، الآية : 42 . ( 2 ) ابن أبي الإصبع ، تحرير التحبير : 195 وانظر ابن أبي الإصبع ، بديع القرآن ، ص / 78 ، والفوائد ، ص / 145 ، والبرهان : 3 / 433 . ( 3 ) سورة يوسف ، الآية : 91 . ( 4 ) سورة النّجم ، الآية : 22 .