تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
وإذا أنعمنا النّظر في كتابه ألفينا أن معيار الذوق هو الذي يفرّق فيقبل ويرفض ، وهذا مرتبط بالفطرة ، فهو يقول : « ومن الذي يؤتيه اللّه فطرة ناصعة يكاد زيتها يضيء ، ولو لم تمسسه نار حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ ، فيضعها في موضعها ، ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد ، وكلاهما حسن في الاستعمال ، وهما على وزن واحد وعدّة واحدة ، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه ، بل يفرّق بينهما في مواضع السّبك ، وهذا لا يدركه إلا من دقّ فهمه ، وجلّ نظره ، فمن ذلك قوله تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
« 1 » ، وقوله تعالى :
رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً
« 2 » ، فاستعمل الجوف في الأولى ، والبطن في الثانية ، ولم يستعمل الجوف موضع البطن ، ولا البطن موضع الجوف ، واللفظتان سواء في الدّلالة ، وهما ثلاثيتان في عدد واحد ، ووزنهما واحد أيضا ، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف يفعل » « 3 » . نلحظ إذن أنّ الجانب الموسيقى يطغى على إحساس ابن الأثير بالفروق ، فإذا كان قد تحدّث فيما سبق عن الخفّة والعذوبة ، ولذّة السمع ، وسهولة النّطق وغيرها ، فإنه هنا يحتجّ بشكلية المفردات ، فيعدّ الحروف ، وينتبه إلى الوزن ، ثم يعود إلى الذوق ، وكأنه يريد أن الاستعمال القرآني وجود لا يفسّر ، ويجب أن يتّبع . ويخيّل إلينا أن الأمر يعود إلى الدّلالة الإيحائية في الشاهدين ، ذلك أن مادة كلّ منهما تختلف كلّ الاختلاف عن مادة اللفظة الأخرى ، فمادة « الجوف » توحي بالضّمور والخلوّ والانحسار والعمق ، خصوصا بما يرسمه حرف الجيم ، وبعده حرف الواو الساكن ، ثم حرف الفاء الذي تنضم عنده الشفاه من دلالة إيحائية . وذلك على عكس « البطن » التي توحي بالنّتوء والبروز والانكشاف ،
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية : 4 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 35 . ( 3 ) ابن الأثير ، المثل السائر : 1 / 143 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 289 | احمد ياسوف