تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
تُكَذِّبُونَ
« 1 » ، فهو يقول عن زيادة كلمة « غمّ » في الآية الأولى : « فلمّا وصفهم بأنّ العذاب من جميع الجوانب اكتنفهم ، صاروا بإحاطة ذلك بهم ، وسدّ أنفاسهم عليهم بمنزلة البعير المغموم بالغمامة التي تسدّ منفسه ، فلا يجد فرجه ، والآية التي في سورة السّجدة لم تشتمل من إحاطة العذاب بهم من ذكر الثّياب من النار وصبّ الحميم وإذابة الشّحوم » « 2 » . فقد انتبه إلى هذه العلّة نتيجة تفهمه للآيات ، والإسكافي وضع كتابه مهتمّا بالمتشابهات ، وهذه الغاية الدينية تمتّعت بنظرات فنية تعتمد غالبا على الموروث اللغوي ، ويبدأ كلامه عادة بعبارة « للسائل أن يسأل » . يمكننا هاهنا أن نذكر وقفات الزمخشري التي بسط فيها الظلال النفسية ، ولتجاوز ما يستمدّ من المعرفة بالفروق كالفرق بين الكبير والعظيم ، وبين الأذى والضرر ، ففي قوله تعالى :
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ، فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً ، فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
« 3 » يقول : « ولم يقل : فإن وهبن أو سمحن إعلاما بأنّ المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة ، وقيل : « فإن طبن لكم عن شيء منه » ولم يقل « فإن سمحن لكم عنه » بعثا لهنّ على تقليل الموهوب » « 4 » . فالكلمة تنمّ على راحة صدرها وهي تتخلّى عن بعض صداقها ، وكما نرى لا يكتفي بمطابقة الحقيقة ، كما يكون في الاعتماد على اللغة ، والحق أن الزمخشري كثيرا ما يقف في إبراز بلاغة القرآن حتى في الآيات الفقهية التي تبيّن الأحكام الإسلامية ، وتبعه في هذا المسلك أبو السّعود وسيّد قطب خاصة ، وهنا يحضرنا قول نعيم الحمصي : « إن القرآن على الرغم من أنه يتناول أبحاثا من طبيعتها إلا تتناول في أسلوب فصيح بليغ ، لأنها تعبّر عن فكرة مجرّدة ، أو عن واجبات دينية اجتماعية ، فهو يعبّر عنها فيما هو
هامش
( 1 ) سورة السّجدة ، الآية : 20 . ( 2 ) الإسكافي ، درّة التنزيل ، ص / 309 . ( 3 ) سورة النّساء ، الآية : 4 . ( 4 ) الزمخشريّ ، محمود بن عمر ، الكشّاف : 1 / 499 ، وانظر تفسير أبي السّعود : 2 / 144 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 286 | احمد ياسوف