تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣

4 - مناسبة المقام

من الطبيعي أن تكون كل مفردات القرآن تحت عنوان مناسبة المقام ، ذلك لأن نظمه المعجز يتضمن كلمات لا تكون نافرة متقلقلة في مكانها ، ولا تكون حشوا يستغنى عنه ، والموضوع القرآني كذلك خصّص له حجم معيّن ، فلا زيادة فيه ولا نقصان ، ولا يكون الإيجاز قائما مكان الإطناب ، ولا الإطناب مكان الإيجاز ، لأنّ الفكرة هي التي تحدّد أسلوبها . وهذه الفقرة تعيّن مناسبة المقام في اختيار مفردة من المفردات ، أو تخصيص دلالتها اللغوية ، لتحقق إيحاء نفسيا ، أو توسع ظلال الدلالة اللغوية ، والمفردة قد تكون عادية ، فإذا قرئت في القرآن ، وجدنا لها طعما آخر ، وتأثيرا فريدا لا نعرفه في حدودها الطبيعية المتعارف عليها . سوف نسرد هنا نماذج مما ورد في كتب الإعجاز والتفسير متّخذين المنهج التاريخي عونا لنا في الترتيب ، وقاصدين تباين الأذواق ، وأثر العصر في كشف هذه السّمة ، ونتجنّب ما هو متكرر حذر الإطالة ، كما نتجنّب الأقوال العامة في ملاءمة المفردة للموضوع ، لنفرغ لتحليلهم الفني الذي يعدّ زادا وفيرا ، وعطاء زاخرا ، كما أننا نتجاوز ما ورد عند الجرجاني حول تمكن المفردة في سياق الآية ، لأنه لا يوليها الاهتمام فهو ينظر إلى النصّ كلّه بعد دخول المفردة ، وينظر إلى العلاقة النحوية بشكل كلي .

- معيار اللغة والذوق الفني :

لقد مر بنا سابقا كيف ألمح الجاحظ في « البيان والتبيين » إلى دقّة النّظم القرآني ومراعاة الفروق الدقيقة التي تدلّ على مقدرة لغوية فائقة ، فقد فرّق الأداء القرآني بين الجوع والسّغب ، وبين المطر والغيث . أما الخطّابي فنراه يفنّد حجج الملاحدة والفسّاق الذين ادّعوا إسفاف كلمات القرآن وتناقضه ، وبعد الكلمة المختارة فيه عن القانون اللغوي المعهود .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 283 | احمد ياسوف