تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
أخّاذ عميق التأثير . ولربما أعيد هنا ما ذكر في فقرة التجسيم ، ذلك لأن التّجسيم يقوم على استخدام مفردات الطبيعة ، وعلى تغيير مجال المفردة . يعدّ الرّمانيّ صاحب الفضل في هذا المقام إذ شرع يقسم التشبيه إلى أربعة أنواع ، مما ساعد لاحقيه على التعمّق في مثل الشواهد التي ذكرها ، وقد وقف عند قوله تعالى :
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
« 1 » ، فقدم تنظيرا فنيا إذ يقول : « بيان ما لم تجر به عادة إلى ما قد جرت به ، وقد اجتمعا في قلع الريح لهما ، وإهلاكها إياهم » « 2 » . ولم يسر القدامى على هذا المنوال ، وإن كان بعضهم يقدم تعريفا للفن ويؤطّره بمثال من القرآن ، ولم يضيفوا شيئا على أهمية المشبّه به كما نجد عند الزركشي « 3 » . ونلتمس العذر للرماني إذ قدّم بحثا موجزا في رسالة تتضمن البلاغة القرآنية بشكل عام ، وكذلك يذكر الزركشي مثل هذا الشاهد في كتاب يبحث في علوم القرآن . وقد وقف الزمخشريّ في كشّافه عند هذه الآية فقال : « كانوا يتساقطون على الأرض أمواتا ، وهم جثث طوال عظام ، كأنّهم أعجاز نخل ، وهي أصولها بلا فروع ، ومنقعر منقلع من مغارسه ، وقيل : شبّهوا بأعجاز النخل ، لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم ، فتبقى أجسادا بلا رؤوس » « 4 » . هكذا نجد أن الزمخشري يتّجه إلى تفصيل صفات المشبّه به ، هذا النّبات الدّال على خلوّ الأجسام ، وخفّتها أمام قوة الريح ، وشرحه اللغوي هذا ييسّر للمحدثين معرفة الجوانب الجمالية ، وإذا كان اهتم بالمشبه به وهو النبات ، فإنّ
هامش
( 1 ) سورة القمر ، الآية : 20 . ( 2 ) الرمّاني ، علي بن عيسى ، ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص / 77 . ( 3 ) انظر الزركشي ، بدر الدين ، البرهان : 3 / 420 . ( 4 ) الزمخشريّ ، الكشّاف : 3 / 184 ، وانظر النسفي ، عبد اللّه بن أحمد ، مدارك التنزيل ط / 1 ، دار الكتاب العربي ، بيروت : 4 / 203 .