تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
« 1 » . فالطبيعة في القرآن لا تقف محايدة ، بل تتمتع بمدلول خلقي ، ففيها دعوة إلى علّة وجودها ، وقريب من هذه الفكرة ما جاء عند سانتيانا إذ قال : « لكي نرى المنظر الطبيعي يتحتّم علينا أن نألفه نحن ، ولكي نحبذه ينبغي لنا أن نضفي عليه مدلولا خلقيا » « 2 » . وليست غايتنا في هذه الفقرة التحدث باستقصاء شامل عن الطبيعة في القرآن ، ولا سيما أن مظاهر الطبيعة ستبرز في أماكن كثيرة بشكل تقريريّ ، ولا تخدم الصورة الفنية ، فلن نتطرّق مثلا إلى الناقة التي عقرها قوم صالح عليه الصلاة والسلام ، فذلك واقع تاريخيّ قائم لا يمسّ ، ولا يفيدنا في الجانب الفنّي ، بل غايتنا أن ننصت إلى تعليقات الدارسين في جمال تشبيه المنافق بالكلب أو العنكبوت ، إذن فالقصد معرفة فاعليّة مفردات الطبيعة ، ومدى تأثيرها في الصورة الفنية .

- مفردات الجماد والنبات عند القدامى :

لا شك أن القرآن اتجه لأغراض فنية إلى استخدام مفردات الجمادات ، ليصور معانيه في أقصى طاقتها المؤثّرة ، واعتمد ما هو عام شامل لا يقتصر على بيئة محدّدة ، وما هو متعارف على دلائله ، وما تثبته المشاهدة ، فالحجر متعارف على قسوته عند العربيّ وغيره ، وعلى مدى العصور ، فإذا شبّهت به قلوب الكافرين ظلّت الصورة عالقة في الأذهان ما دام المرء على وجه البسيطة ، وكذلك البحر في هوله وضخامته ، والرّماد في خفّته وتطايره ، وقيمة الجماد أي المشبّه به لا تتسم بالمباشرة والابتذال ، ذلك لما يضفي البيان القرآني على هذه الكائنات المنتزعة من الطبيعة من معان سامية ، وجمال فني
هامش
( 1 ) سورة الملك ، الآيتان : 3 - 4 . وخاسئا : ذليلا . حسير : متعب منقطع عن رؤية الخلل . ( 2 ) سانتيانا ، جورج ، الإحساس بالجمال تر . د . مصطفى بدوي ، مؤسسة الأنجلو المصرية ، بلاتا ، القاهرة ، ص / 156 .