المبحث الأول نوع الخلاف بين مفسري التابعين
بعد أن استعرضنا قيمة تفسير التابعين رواية ، وتبين لنا الأثر الواضح الذي تركه تفسيرهم في هذا الجانب كان لزاما أن أوضح هنا أن الأمر لم يقتصر على مجرد الروايات فحسب ، بل أن لتفسيرهم قيمة علمية سامية ، ومنزلة عالية ، فإذا علمنا أن الاختلاف بين التابعين لم يكن ذلك الاختلاف الموجود عند من جاء بعدهم من التنازع والتشاحن ، واتضح لنا أن تفسيرهم تميز بميزات ليست لغيره من أنواع التفاسير بعد ذلك لبيان منزلتهم ، وقيمة تفسيرهم عند أهل العلم ، - رحم اللّه الجميع - .
الأصل في تفسير القرآن الكريم أنه يرجع كله إلى قول واحد « 1 » ، وإن بدا في أول الأمر خلاف ذلك ، ويدل لذلك قوله تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 2 » .
فنفى اللّه عز وجل أن يقع فيه اختلاف البتة ، ولو كان فيه ما يقتضي قولين مختلفين لم يصدق هذا الكلام بحال .
وأيضا فإن قوله سبحانه :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ . . .
« 3 »
صريح في رفع التنازع ، والاختلاف . ولا يرتفع الخلاف إلا بالرجوع إلى شيء واحد ، إذ لو كان فيه ما يقتضي الاختلاف لم يكن في الرجوع إليه رفع تنازع ، وهذا باطل « 4 » .
هامش
( 1 ) أي فليس من مقاصد الشرع وضع حكمين متخالفين في موضوع واحد .
( 2 ) سورة النساء : آية ( 82 ) .
( 3 ) سورة النساء : آية ( 59 ) .
( 4 ) الموافقات ( 4 / 118 ) .