فالجواب ما نجده عند مجاهد ، وقتادة ، والربيع ، فقد بينوا لنا سبب نزول الآيات ؛ وذلك أن العرب كانوا يحجون ، ولا يتجرون ، ويتحرجون من التجارة في الحج ، فنزلت هذه الآية « 1 » ، فصار سبب النزول معينا على فهم معنى الآية ، وكما يظهر فلا معرفة لنا به إلا إذا كنا على علم بعادات العرب في الجاهلية .
وفي قوله تعالى :
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
« 2 » ، نجد أنفسنا بين أمرين :
الأول : أن تكون الإفاضة المذكورة من عرفات .
الثاني : أن تكون الإفاضة هي الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس ، وقد استشكل كل من الأمرين .
أما بالنسبة للأول فلأن اللّه قال قبل ذلك :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ
وهنا قال :
ثُمَّ أَفِيضُوا
، والمعروف أن الإفاضة واحدة .
وأما بالنسبة للثاني فلأن ( حيث ) للظرفية المكانية ، والقول الثاني يدور حول الإفاضة قبل طلوع الشمس أي الزمانية ، ثم لفظ ( الناس ) من أسماء الأجناس التي تدل على العموم .
وبسبب هذا الإشكال في فهم الآية نجد أئمة التابعين يرجعون في فهمها إلى عادات العرب ، فيوردون سبب ذلك وهو أن قريشا كانت تقول : نحن الحمس ، أهل الحرم ، ولا نخلف الحرم ، ويبقون في مزدلفة ، فأمروا أن يبلغوا عرفة ، جاء هذا عن مجاهد ، وقتادة ، والسدي ، والربيع ، وغيرهم « 3 » .
وبذلك عرفنا أن المراد هو الإفاضة من عرفات ، ثم بعد ذلك يسهل توجيه
هامش
( 1 ) تفسير الطبري ( 4 / 162 - 169 ) 3762 - 3777 - 3781 - 3787 .
( 2 ) سورة البقرة : آية ( 198 ) .
( 3 ) تفسير الطبري ( 4 / 187 ) 3835 - 3839 .