ولذا فلما أمر اللّه بالذكر عقبه ما يكون من الناس في الدعاء ، ليأخذوا بأحسن الأحوال ، ويتركوا غيره : فقال :
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 ) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
« 1 » .
12 - موقف التابعين من إطلاق الأحكام التكليفية :
المقصود بالأحكام التكليفية : الأحكام الخمسة التي هي الفرض ، والمستحب ، والمباح ، والمكروه ، والحرام .
وذهب بعض أهل العلم إلى زيادة الواجب ، وهم الحنفية الذين جعلوا الفرض ما يثبت بالقرآن والمتواتر ، والواجب ما ثبت بخلاف ذلك « 2 » ؛ وإلا فإن الصحابة ، وأئمة التابعين ، لم يكونوا يفرقون بينهما ، وعلى ذلك الجمهور ، وإليه ذهب الحنفية أيضا ؛ أي : التفريق بين المكروه تحريما ، والمكروه تنزيها ، وجعلوا كراهة التحريم أقل مرتبة من الحرام « 3 » .
وأما كراهة التنزيه فهي لا تنافي الإباحة ، هذا ما استقر عليه القول في الأحكام التكليفية « 4 » .
وقد لاحظت أن أئمة التابعين لم يكونوا يطلقون الأحكام التكليفية ( الحرام ) أو ( الوجوب ) إلا فيما كان فيه الدليل قطعيا ، ولذا فمع استقرائي لاستنباطاتهم الحكم من آيات الأحكام لم ألحظ لهم قولا شاذا يطلق التحريم أو الإيجاب في مسائل الاجتهاد ، بل كانت أقوالهم وفتاواهم تدور حول أمري - ( يعجبني ) ، ( لا ينبغي ) ونحو ذلك ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة : آية ( 201 - 202 ) .
( 2 ) يراجع في ذلك فواتح الرحموت ( 1 / 58 ) ، وشرح الكوكب المنير ( 1 / 345 ) .
( 3 ) ينظر فتح الباري ( 2 / 363 ) 559 - ( 3 / 318 ) .
( 4 ) فواتح الرحموت ( 1 / 58 ) .