بعدهم .
فهذا أبو جعفر بن جرير الطبري - رحمه اللّه - كثيرا ما يجتهد في انتقاء القول الراجح عنده من بين أقوال المفسرين ، وربما خرج عن أقوالهم إلى ما يستنبطه هو ، إلا أننا نجده في كثير من الأحيان يعتمد قول التابعي ، وربما لا ينقل غيره ، ومثال ذلك ما جاء في قوله تعالى :
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ
« 1 » .
ينقل ابن جرير عن السدي قوله : السوء : المعصية ، وأما الفحشاء فالزنا . اه ، ولا يورده عن غير السدي ثم يقبله ويرتضيه « 2 » .
ولما تعرض سعيد بن جبير لقوله تعالى :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ
« 3 » ، قال في لغو اليمين : هي اليمين في المعصية ، ثم قال للذي سأله : أو لا تقرأ فتفهم ، قال اللّه :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ
، وقرأ الآية ثم قال : فلا يؤاخذه بالإلغاء ، ولكن يؤاخذه بالتمام عليها « 4 » .
وتنقل لنا كتب التفسير ، ما ورد عن التابعين عند قوله سبحانه :
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً
« 5 » فنجد المنقول عن عطاء ، والسدي ، ومجاهد ، والربيع ، وإبراهيم « 6 » أنهم قالوا : الجنف : الخطأ ، والإثم : العمد ، وهذا هو الأليق بسياق الآية ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة : آية ( 169 ) .
( 2 ) تفسير الطبري ( 3 / 303 ) 2445 ، وزاد المسير ( 1 / 173 ) ، وأورده السيوطي في الدر ، وعزاه إلى ابن جرير ، عن السدي به ( 1 / 404 ) ، وفتح القدير ( 1 / 168 ) .
( 3 ) سورة المائدة : آية ( 89 ) .
( 4 ) تفسير الطبري ( 4 / 441 ) 4445 .
( 5 ) سورة البقرة : آية ( 182 ) .
( 6 ) تفسير الطبري ( 3 / 406 ) 2709 ، 2710 ، 2711 ، 2712 ، 2714 ، وأورده السيوطي في الدر ، وعزاه إلى سفيان بن عيينة ، وعبد بن حميد ، عن مجاهد بنحوه ( 1 / 426 ) .