المدارس في هذا ، ومدرسة الكوفة وإن كانت أقل منها رواية في هذا الشأن إلا أنه مما يحمد للبصريين أنه مع النتاج الكثير المنقول عنهم في التفسير كانت نسبة الإسرائيليات عندهم قليلة جدا ؛ لأنهم ضربوا صفحا عن الإكثار من النقل عن بني إسرائيل .
ومما يحمد لهذه المدرسة أنها وإن كانت من مدارس الوعظ ، والقص ، والغالب على القصاص الاستئناس بالحكايات ، والأمور الغريبة التي تثير انتباه الناس - فقد ابتعد أئمتها وشيوخها عن قصص بني إسرائيل ، ويوضح ذلك ما نجده في مناظرة الحسن وقتادة في ابن نوح ، فقد كان الحسن يرى أنه ليس ابنه لصلبه ، فاحتج قتادة عليه فيما احتج به أن أهل الكتاب لا يختلفون في أنه كان ابنه ، فقال الحسن مستنكرا : ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب « 1 » ؟ ! .
والتزم الحسن بذلك ؛ ففي أكثر الآيات التي رويت عشرات الروايات عن التابعين في تفسيرها بالإسرائيليات ، نجد الحسن لا يعتمد على شيء من ذلك .
وقد سبق سرد بعض الأمثلة نحو تفسيره قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
، وتأويله للسكينة في قوله :
فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
، وبيانه للوالد والولد الصالح في قوله :
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً
، وبيانه للمراد ب فتنة سليمان ، ونحو ذلك « 2 » .
وأما ( قتادة ) فهو - وإن كان أكثر توسعا من الحسن في سرد الإسرائيليات - إلا أنه كان يختصرها ، ويسوق الشاهد منها فحسب ، ويوردها بصيغة التمريض ( ذكر لنا واللّه أعلم ) وهذا يدل على تحرجه ، وعدم قناعته بمحتواها .
وبهذا ينجلي للناظر أن المدرسة البصرية كان أكثر المدارس توقيا وحذرا من الرواية
هامش
( 1 ) البحر المحيط ( 5 / 226 ) ، والمحرر الوجيز ( 9 / 161 ) .
( 2 ) وقد سبق بيان ذلك وتفصيله في ترجمة الحسن ص ( 246 ) .