وقال قتادة : فالمنافق إذا رأى في الإسلام رخاء أو طمأنينة ، أو سلوة من عيش قال : أنا معكم وأنا معكم ، وإذا أصابته شديدة حقحق واللّه عندها ، فانقطع به ، فلم يصبر على بلائها ، ولم يحسب أجرها ، ولم يرج عاقبتها « 1 » .
ومن ذلك أيضا ما جاء في بيان المثل الذي ضربه جل ثناؤه في قوله :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
« 2 » .
قال مجاهد في بيان المثل :
فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
، قال : بملئها ،
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
، قال : الزبد : السيل ،
ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
قال : خبث الحديد والحلية . . . إلخ ما قال « 3 » - رحمه اللّه - في بيان مفردات المثل .
بينما نجد قتادة يتوسع في بيان المثل وشرحه فيقول : هذه ثلاثة أمثال ضربها اللّه في مثل واحد ، يقول : كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ، ولا ترجى بركته ، كذلك يضمحل الباطل عن أهله ، كما اضمحل هذا الزبد ، وكما مكث هذا الماء في الأرض ، فأمرعت هذه الأرض ، وأخرجت نباتها ، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي هذا الماء في الأرض ، فأخرج اللّه به ما أخرج من النبات ، وقوله :
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ
، الآية ، كما يبقى خالص الذهب والفضة حين أدخل النار ، وذهب خبثه ، كذلك يبقى الحق لأهل ، وقوله :
أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
.
يقول : هذا إلى الحديد والصفر الذي ينتفع به فيه منافع ، يقول : كما يبقى خالص
هامش
( 1 ) تفسير الطبري ( 1 / 350 ) 458 ، وأورده السيوطي في الدر ، وعزاه إلى عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن قتادة بلفظ مقارب ( 1 / 83 ) .
( 2 ) سورة الرعد : آية ( 17 ) .
( 3 ) تفسير الطبري ( 16 / 412 ) 20318 ، وأورده السيوطي في الدر ، وعزاه إلى أبي عبيد ، وابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد بنحوه ( 4 / 634 ) .