وتأتى له من ذلك ما لم يتأت لعكرمة ، فقد رحل إلى الكوفة ، وتلقى قراءة ابن مسعود ، وكان يقول : لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت « 1 » .
وكان - رحمه اللّه - يقول : ما رأيت مسجدا أحرى أن نسمع فيه علما لم نسمعه من مسجد الكوفة « 2 » . ويضاف إلى ذلك أنه صحب ابن عمر - رضي اللّه عنهما - ، وتأثر به في جانب الإقلال من رواية حديث المصطفى صلى اللّه عليه وسلّم ، وفي هذا يقول : صحبت ابن عمر إلى المدينة ، فما سمعته يحدث عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلا حديثا واحدا « 3 » .
3 - وهذا يقودنا إلى الحديث عن وجه آخر من أوجه الخلاف بينهما ، فإن عكرمة كان يعتمد على العلوم النقلية أكثر من العقلية ، في حين كان مجاهد من أقل المكيين في ذلك ، فلا غرو إذا أن نجد عكرمة قد فاق صاحبه وتقدم عليه في معرفة أسباب النزول ، ويتبين هذا واضحا في نسبة ما روي عنه « 4 » .
كما فاق عكرمة أيضا في العناية والاهتمام بالرواية عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - مما حدا بمجاهد إلى أن يأخذ كثيرا مما فاته عن ابن عباس من عكرمة « 5 » ، ويبدو هذا جليا من مقارنة ما روي عن ابن عباس من طريق عكرمة ، وما روي عنه من طريق مجاهد « 6 » .
هامش
( 1 ) سنن الترمذي ، كتاب تفسير القرآن ، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه ( 5 / 200 ) .
( 2 ) تاريخ أبي زرعة ( 2 / 678 ) .
( 3 ) السير ( 4 / 454 ) ، والتهذيب ( 10 / 43 ) .
( 4 ) كان نسبة أسباب النزول عند عكرمة ( 14 ، 0 ) ، في حين بلغت عن مجاهد ( 05 ، 0 ) فقط .
( 5 ) الإرشاد في معرفة علماء الحديث ( 1 / 323 ) .
( 6 ) المروي عن ابن عباس من طريق عكرمة بلغ ( 09 ، 0 ) من مجموع تفسيره ، في حين بلغ المروي من طريق مجاهد ( 03 ، 0 ) فقط .