رابعا : موقفه من الإسرائيليات :
ومما تميز به تفسير الحسن عن سائر التابعين « 1 » ، بعده وإعراضه عن كثير من روايات بني إسرائيل ، مع أنه من الوعاظ والمذكرين ، إلا أنه لم يرض عن كثير من تلك الروايات ، بل ضرب عنها صفحا ؛ فنجده مثلا في سورة البقرة - التي روي فيها مئات الروايات عن التابعين « 2 » - لا نجد له شيئا ، بل إن المروي عنه في ذلك يوضح عدم الرضى ، فعند تفسير قوله سبحانه :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ
« 3 » .
قال : خرجوا فرارا من الطاعون ، فأماتهم قبل آجالهم ، ثم أحياهم إلى آجالهم « 4 » .
وعند قوله جل ثناؤه :
فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
« 5 » خاض كثير من التابعين في المراد بها « 6 » ، وأعرض الحسن عن هذا كله ، وقال في تفسيرها : شيء تسكن إليه النفوس « 7 » .
وكان - رحمه اللّه - يرد وينكر ، بعض الروايات الواردة في حق الأنبياء ، ويفسر الآية بتفسير بعيد عن كل هذا .
هامش
( 1 ) تميز حتى عن أقرب الناس إليه ، فتلميذه قتادة مع أنه من أكثر الناس تأثرا بمنهجه ، وبعدا عن روايات بني إسرائيل ، إلا أنه قد وقع في شيء منها .
( 2 ) من خلال تفسير ابن جرير الطبري .
( 3 ) سورة البقرة : آية ( 243 ) .
( 4 ) تفسير الطبري ( 5 / 274 ) 5609 ، وقارن ذلك بما روي عن غيره من التابعين عند هذه الآية .
( 5 ) سورة البقرة : آية ( 248 ) .
( 6 ) فقيل في تفسير السكينة : إنها برأس كرأس الهرة ، وجناحان ، وقيل : لها جناحان وذنب ، وقيل : لها جناحان وذنب مثل ذنب الهرة ، رويت هذه الأقوال عن مجاهد كما في تفسير الطبري في الآثار : 5672 ، 5673 ، 5674 ، 5675 ، وقيل : السكينة : طست من ذهب من الجنة ، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء أعطاه اللّه موسى ، وفيها وضع الألواح ، وكانت الألواح من در ، وياقوت وزبرجد ، ينظر الأثر 5679 .
( 7 ) أورده السيوطي في الدر ، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن الحسن به ( 1 / 758 ) .