ان علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه لما ولى الخلافة بعد ذلك لم ينكر حرفا ولا غيره مع أنه هو الراوي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمركم أن تقرءوا القرآن كما علمتم ، وهو القائل : لو وليت من المصاحف ما ولى عثمان لفعلت كما فعل ؛ والقراءات التي تواترت عندنا عن عثمان وعنه وعن ابن مسعود وأبى وغيرهم من الصحابة رضى اللّه عنهم لم يكن بينهم فيها إلا الخلاف اليسير المحفوظ بين القراء ؛ ثم إن الصحابة رضى اللّه عنهم لما كتبوا تلك المصاحف جردوها من النقط والشكل ليحتمله ما لم يكن في العرضة الأخيرة مما صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوّين شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين فان الصحابة رضوان اللّه عليهم تلقوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أمره اللّه تعالى بتبليغه إليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعا ولم يكونوا ليسقطوا شيئا من القرآن الثابت عنه صلى اللّه عليه وسلم ولا يمنعوا من القراءة به .
( وأما ) هل القراءات التي يقرأ بها اليوم في الأمصار جميع الأحرف السبعة أم بعضها ؟ فان هذه المسألة تبتنى على الفصل المتقدم فان من عنده أنه لا يجوز للأمة ترك شئ من الأحرف السبعة يدعى أنها مستمرة النقل بالتواتر إلى اليوم وإلا تكون الأمة جميعها عصاة مخطئين في ترك ما تركوا منه ، كيف وهم معصومون من ذلك ؟ وأنت ترى ما في هذا القول فان القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة والثلاثة عشر بالنسبة إلى ما كان مشهورا في الأعصار الأول قل من كثر ونزر من بحر فان من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة وغيرهم كانوا أمما لا تحصى ، وطوائف لا تستقصى ، والذين أخذوا عنهم أيضا أكثر وهلم جرا ، فلما كانت المائة الثالثة واتسع الخرق وقل الضبط وكان علم الكتاب والسنة أوفر ما كان في ذلك العصر تصدى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراءات فكان أول إمام معتبر جمع
النشر في القراءات العشر — صفحة 33
مساهمون: محمد بن محمد الدمشقي ( ابن الجزري )
ص٣٣