كفالته من الحقوق والواجبات ، يمكن أن يقال : إن هذا القانون المتأخر قد نسخ القانون المتقدم ، وأصبح هو القانون بدلا منه .
وعندما ترى هذه الدولة أن مادة معينة في قانونها لم تعد محققة للمصلحة التي نيطت بها مصلحة الشعب الذي وضع القانون لحمايته ، فتستبدل بهذه المادة مادة أخرى ترى أنها أقدر على تحقيق المصلحة ، ثم تنشر على الشعب بوسائلها أن تلك المادة في ذلك القانون قد ألغيت ، وحلت محلها مادة أخرى تقول كذا ، يمكن أن يقال : إن مادة قد نسخت مادة ، أي حلت محلها ، بعد أن ألغتها ، دون أن يكون لذلك أثر في صلاح القانون ، وفي قيامه ووجوب الاحتكام إليه ، كلما دعت الحال .
هذان النوعان للنسخ بين القوانين الوضعية المختلفة ، وبين مواد كل منها وقعا بين الشرائع السماوية ، وفي كل شريعة منها على حدة .
وكما نتقبل النسخ ولا نستنكره حين يقع بين القوانين الوضعية ، يجب أن نتقبله ولا نستنكره ، عندما ينقل إلينا أنه قد وقع بين الشرائع السماوية وفيها .
نعم يجب أن نتنبه إلى فارق بين النسخ في القوانين الوضعية ، والنسخ في الشرائع السماوية ، فإننا حين نضع القوانين التي مصيرها إلى النسخ لا محالة ، لا نستطيع أن نعرف مدة العمل بهذه القوانين ، ولا ما سيحل محلها حين تلغى ، ولا حقيقة الفرق بين المتقدم المنسوخ منها ، والمتأخر الناسخ ، أما حين يشرع الله عز وجل لقوم من خلقه - أو لهم جميعا - فإنه يعلم يقينا وهو يشرع ما سيبقى من الأحكام ، وما سينسخ ، ويعلم الحكم الذي سيحل محل المنسوخ حين يرفع ، ويعلم الوقت الذي سيتم فيه هذا كله ، فإذا كانت الشريعة مؤقتة ، علم وهو يشرعها متى تنسخ كلها بالشريعة اللاحقة ، وعلم حقيقة هذه الشريعة الناسخة وأحكامها الكلية والجزئية ، وعلم ما بين الشريعتين من اختلاف في الأحكام الفرعية العملية ، وهي التي تقبل النسخ دون غيرها - ومن اتفاق كامل أو يكاد في الكليات والأصول والأخلاق ومبادئ العقيدة وأحكامها .
ومعنى هذا أن الله عز وجل حين ينسخ شريعة أو حكما في شريعة ، إنما يكشف لنا بهذا النسخ عن شيء من علمه السابق ، ومن ثم يعتبر النسخ نوعا من أنواع البيان ، ولا يعنى بأي حال ، وصف الله سبحانه وتعالى بالبداء « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر النسخ في القرآن للدكتور مصطفى زيد 1 / 19 ، 20 .