أما الثاني - وهو الإجماع - : فباطل ، أيضا ؛ لامتناع انعقاد إجماع على خلاف إجماع آخر كما تقدم .
أما الثالث - وهو القياس - : فباطل أيضا ؛ لأن من شرط حجية القياس ألا يخالف الإجماع ، فإذا انعقد الإجماع على خلافه ، زال القياس لزوال شرطه ، وزوال المشروط لزوال الشرط لا يسمى نسخا « 1 » .
دليل المجوزين :
استدل عيسى بن أبان ومن معه على جواز أن يكون الإجماع ناسخا بأدلة نقلية ، ودليل عقلي .
أما الأدلة النقلية فدليلان هما :
الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دخل على عثمان رضي الله عنه ، فقال : إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث « 2 » ، قال الله تعالى :
فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ
فالأخوان بلسان قومك ليسا بإخوة ، قال عثمان بن عفان : لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ، ومضى في الأمصار ، وتوارث به الناس « 3 » .
وجه الاستدلال من هذا الأثر : أن قول عثمان هذا ظاهر في أن إجماع الصحابة على أن الأم تحجب من الثلث إلى السدس بالأخوين ، قد نسخ ما تفيده الآية من الحجب بالإخوة حيث إن الإخوة جمع والأخوين مثنى ، وبذلك يكون الإجماع ناسخا للآية وهو المطلوب .
وأجاب الجمهور عن ذلك : بأن نسخ الآية - على قولكم - يتوقف على أنها تفيد أن الأم لا تحجب بالأخوين ، وعلى أن الأخوين ليسا بإخوة ، وكل منهما لا نقره .
فإن الآية إنما تدل على أن الأم إنما تحجب بالإخوة ، أما أنها لا تحجب بالأخوين فذلك مسكوت عنه ، ولو سلم دلالة الآية على أن الأم تحجب بالأخوين فذلك إنما بمفهوم المخالفة ، وليس متفقا على حجته .
هامش
( 1 ) انظر نهاية السول للإسنوي 2 / 186 .
( 2 ) أي : إن الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ، بل ترث الثلث مع وجودهما .
( 3 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 / 335 ، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال الذهبي : صحيح .