تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
الأدلة : دليل القول الأول : استدل أصحاب القول الأول على الجواز بالآتي : أن الخبر إذا كان عن أمر ماض كقوله : « عمّرت نوحا ألف سنة » ، جاز أن يبين من بعده أنه أراد ألف سنة إلا خمسين عاما . وإن كان خبرا مستقبلا ، وكان وعدا أو وعيدا كقوله : « لأعذبن الزاني أبدا » ، فيجوز أن يبين من بعده أنه أراد ألف سنة . وإن كان خبرا عن حكم الفعل في المستقبل ، كان الخبر كالأمر في تناوله للأوقات المستقبلية ، فيصح إطلاق الكل مع أن المراد بعض ما تناوله بموضوعه ، فثبت أن حكم النسخ في الخبر كهو في الأمر « 1 » . دليل القول الثاني : استدل أصحاب القول الثاني على المنع بدليلين : الأول : أن دخول النسخ في الخبر يوهم البداء . الثاني : أنه لو جاز نسخ الخبر ، لجاز أن يقول : « أهلك الله عادا » ، ثم يقول : « ما أهلكهم » ، ومعلوم أنه لو قال ذلك : كان كذبا . وأجيب عن الأول : بأن دخول النسخ على الأمر يوهم البداء أيضا ، فإن قالوا : لا يوهم لأن النهى إنما دل على أن الأمر لم يتناول ذلك الوقت ، قلنا : وهاهنا أيضا ، لا يوهم الكذب ، لأن الناسخ يدل على أن الخبر ما تناول تلك الصورة . وأجيب عن الثاني : أن إهلاكهم غير متكرّر ؛ لأنهم لا يهلكون إلا مرة واحدة فقط ، فقوله : « ما أهلكهم » ، رفع لتلك المرة فيلزم الكذب ، وأما إن أراد بقوله : « ما أهلكهم » أنه ما أهلك بعضهم ، كان ذلك تخصيصا بالأشخاص ، لا بالأزمان فلم يكن ذلك نسخا « 2 » . دليل القول الثالث : استدل البيضاوي على تفصيله : بأن الماضي قد تحقق مضمونه ، فرفعه يوجب الكذب وهو باطل ، أما المستقبل ، فلا مانع أن يقول الشارع : « لأعاقبن الزاني أبدا » ، ثم يقول بعد ذلك : « أردت سنة » ، ويكون القول الثاني مخصّصا للأول ببعض الأزمنة ، ولا محال في ذلك فيكون جائزا « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر المحصول للإمام الرازي 1 / 3 / 487 ، 488 . ( 2 ) انظر المحصول للإمام الرازي 1 / 3 / 488 ، 489 . ( 3 ) انظر نهاية السول للإسنوي 2 / 179 .