وقد ذكر الفقهاء أمورا يجب فيها الكذب ، منها إذا طالبه ظالم بوديعة ، أو بمظلوم خبأه ، وجب عليه إنكاره ، وجاز له الحلف عليه ، وإذا أكره على الكذب وجب « 1 » .
ألا ترى أن الله أباح بنص القرآن لمن أكره على الكفر أن يتلفظ بكلمة الكفر ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، وهو متضمن الكذب ، قال تعالى :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
« 2 » .
القسم الثاني : نسخ مدلول الخبر وثمرته :
ذلك المدلول إما أن يكون مما لا يمكن تغييره ، بألا يقع إلا على وجه واحد كصفات الله ، وخبر ما كان من الأنبياء والأمم ، وما يكون من الساعة وآياتها كخروج الدجال ، فلا يجوز نسخه بالاتفاق ؛ لأنه يفضي إلى الكذب .
وإن كان مدلول الخبر مما يصح تغييره ، بأن يقع على غير الوجه المخبر عنه ، ماضيا كان أو مستقبلا ، أو وعدا أو وعيدا ، أو خبرا عن حكم شرعي ، فهو موضوع الخلاف « 3 » ، وفيه أقوال ثلاثة :
القول الأول : يجوز نسخه مطلقا ، وإلى هذا ذهب أبو عبد الله ، وأبو الحسين البصريان ، وعبد الجبار ، والإمام الرازي ، والآمدي وغيرهم « 4 » .
القول الثاني : لا يجوز نسخه مطلقا ، وإلى هذا ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني ، والجبائي ، وأبو هاشم ، وابن الحاجب ، وجماعة من المتكلمين « 5 » .
القول الثالث : التفصيل ، فإن كان ماضيا لم يجز نسخه ، وإن كان مستقبلا جاز نسخه ، وهو المختار للقاضي البيضاوي « 6 » .
هامش
( 1 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 205 ، 206 ، شرح مختصر ابن الحاجب وحواشيه 2 / 195 ، البحر المحيط 4 / 98 ، حاشية العطار على شرح جمع الجوامع 2 / 119 ، شرح تنقيح الفصول ص 309 ، تيسير التحرير 3 / 193 ، 195 ، إرشاد الفحول ص 188 ، أحكام النسخ في الشريعة الإسلامية ص 96 ، 97 .
( 2 ) سورة النحل من الآية 106 .
( 3 ) قال الزركشي رحمه الله في البحر المحيط 4 / 100 : إن الخلاف مبني على تفسير النسخ ، وهل هو رفع أو بيان كما صرح به القاضي ، فقال : ذهب كل من قال بأن النسخ بيان وليس برفع حقيقي إلى جواز النسخ في الأخبار على هذا التأويل ، قال : أما نحن إذا صرنا إلى أن رفع الثابت حقيقي ، وأن المبين ليس بنسخ أصلا ، فلا نقول على هذا بنسخ الأخبار ؛ لأن في تجويزه حينئذ تجويز الخلف في خبر الله وهو باطل ، وهذا بخلاف تجويز النسخ في الأوامر والنواهي ، لأنه لا يدخلها صدق ولا كذب .
( 4 ) انظر المعتمد لأبي الحسين 1 / 387 ، وما بعدها المحصول للإمام الرازي 1 / 3 / 487 ، الإحكام للآمدي 3 / 206 ، شرح تنقيح الفصول ص 310 ، البحر المحيط 4 / 99 .
( 5 ) انظر شرح مختصر ابن الحاجب مع حواشيه 2 / 195 ، وانظر المحصول 1 / 3 / 784 ، الإحكام للآمدي 3 / 206 ، البحر المحيط 4 / 99 .
( 6 ) انظر نهاية السول 2 / 179 ، البحر المحيط 4 / 99 .