المبحث الحادي عشر هل يجوز نسخ الأخبار ؟
الخبر إما أن ينسخ لفظه ، أو مدلوله وثمرته ، فيحصل من ذلك قسمان :
القسم الأول : نسخ تلاوة الخبر :
وهو على قسمين أيضا : إما أن تنسخ تلاوته ، أو ينسخ تكليفنا بالإخبار به .
( أ ) أما نسخ تلاوة الخبر فكقولنا : « إن الله موجود » ، أو « إن زيدا مؤمن » ، وهذا القسم لا خلاف بين القائلين بالنسخ بجواز نسخه ، سواء أكان ما نسخت تلاوته ماضيا ، أو مستقبلا « 1 » . وسواء أكان مما لا يتغير مدلوله كالإخبار بوجود الله ، أم مما يتغير مدلوله كالإخبار بكفر زيد .
( ب ) وأما نسخ التكليف بالإخبار : فبأن نكون قد كلفنا بالإخبار عن شيء ، ثم ينسخ عنا مثل أن يقال لعمر : « أخبر زيدا أن الله موجود » أو « أن فلانا مؤمن » .
ونسخ التكليف بالإخبار إن كان مما يتغير ، نحو « أخبر زيدا أن فلانا مؤمن » ، فلا خلاف كذلك في جواز نسخه .
وإن كان مما لا يتغير نحو : « أخبر زيدا أن الله موجود » ، أو « أن العالم حادث » ، فإن كان النسخ من غير أن يكلف بنقيضه ، كأن يقول : « لا تخبر زيدا بأن الله موجود » ، فلا خلاف كذلك في جواز نسخه ؛ لأن كل ذلك من الأحكام الشرعية ، فجاز أن يكون مصلحة في وقت ، ومفسدة في وقت آخر .
لكن هل يجوز أن ينسخ تكليفنا بالإخبار عما لا يتغير ، بتكليفنا بالإخبار بنقيضه ؟
قالت المعتزلة : لا يجوز ، لأنه كذب ، والتكليف بالكذب قبيح ، وهو غير متصور من الشارع .
وقال آخرون بالجواز : منهم الآمدي وابن الحاجب .
وأجابوا عن دليل المعتزلة ، بأنه مبني على أصولهم في التحسين والتقبيح العقلي ، ووجوب رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى ، وقد أبطلناه .
ثم قد يدعو إلى الكذب غرض صحيح ، فلا يكون التكليف به نقصا .
هامش
( 1 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 205 ، البحر المحيط للزركشي 4 / 98 .