واعترض المجوّزون على هذا الدليل بأنه يدل على نسخ لفظ الآية ؛ لأن الآية حقيقة فيها ، وليس فيه دلالة على نسخ حكمها ، وذلك هو موضوع الخلاف .
سلمنا دلالة ما ذكروه على نسخ الحكم ، لكن لا نسلم العموم في كل حكم .
وإن سلمنا ، ولكنه مخصص بما ذكرناه من الصور .
سلمنا أنه غير مخصّص ، لكن ما المانع من رفع الحكم بدل إثباته ، وحال كونه خيرا منه في الوقت الذي نسخ فيه ؛ لكون المصلحة في الرفع دون الإثبات ، وإن سلم امتناع وقوع ذلك شرعا ، لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي « 1 » .
التحقيق في المسألة :
لقد حقق شيخنا الشيخ محمد أبو النور زهير هذه المسألة ، وافترض فيها فروضا ثلاثة ، ورتّب عليها نتائج ، وتلك الفروض مع نتائجها هي :
الأول : إن كان المراد من البدل أيّا كان ، ولو البراءة الأصلية ، فالحق : أنه لا نسخ إلا ببدل ، ولأن الله تعالى لم يترك عباده سدى في أي وقت من الأوقات .
الثاني : إن كان المراد بالبدل بدلا خاصّا ، هو حكم شرعي ، دل عليه الدليل الناسخ للحكم الأول ، فالحق أن هذه دعوى لا موجب لها ، ولا دليل عليها ، والواقع يكذبها ؛ فإن تقديم الصدقة عند المناجاة قد نسخ وجوبه بقوله تعالى :
أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ
« 2 » ، ولم يشتمل الناسخ على بدل ، فالقول بأنه لا نسخ إلا ببدل يدل عليه الناسخ غير صحيح .
الثالث : وإن كان المراد بالبدل هو الحكم الشرعي ، سواء دل عليه الناسخ ، أو دل عليه غيره ، فالحق أن القول بأنه لا نسخ إلا ببدل - بهذا المعنى - ليس لازما ، فقد يجوز أن يكون البدل هو البراءة الأصلية .
ثم قال توفيقا بين الرأيين :
على أن الناظر في أدلة الطرفين يجد أن المانع للنسخ بلا بدل قد استدل بأدلة شرعية ، والمجوّز قد استدل بالدليل العقلي ، وهذا ما توصل إليه الآمدي في ختام كلامه السابق ، وهذا يجعلنا نحكم بأن المانع مراده : أنه لم يقع شرعا النسخ بلا بدل ، والمجوّز يرى أن ذلك جائز عقلا ، وإن كان غير واقع ، فالنفي والإثبات لم يتواردا على محل واحد ، فارتفع النزاع بين الطرفين في هذه المسألة « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 196 .
( 2 ) سورة المجادلة ، من الآية 13 .
( 3 ) انظر أصول الفقه لشيخنا الدكتور محمد أبي النور زهير 3 / 64 ، 65 .