المبحث الثامن النسخ بلا بدل يرى جمهور الأصوليين جواز النسخ بلا بدل ، وذهب بعض المعتزلة والظاهرية إلى عدم جوازه « 1 » .
وحكى عن الشافعي عدم الجواز أيضا ، أخذا من قوله في الرسالة :
« وليس ينسخ فرض أبدا إلا إذا أثبت مكانه فرض ، كما نسخت قبلة بيت المقدس ، فأثبت مكانها الكعبة » « 2 » .
وكأن معنى هذه العبارة : أنه لا ينسخ حكم إلا إذا أثبت مكانه حكم آخر ، ويكون ذلك من إطلاق اسم خاص على العام مجازا .
لكن الإمام الزركشي في البحر المحيط يقول :
وليس ذلك مراده ، بل هو موافق للجماهير على أن النسخ قد يقع بلا بدل .
وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبه عليه الصيرفي ( في شرح الرسالة ) ، وأبو إسحاق المروزي في كتاب ( الناسخ ) ، أنه ينقل من حظر إلى إباحة ، أو إباحة إلى حظر ، أو يجري على حسب أحوال المفروض ، ومثّله بالمناجاة ، وكان يناجي النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بلا تقديم صدقة ، ثم فرض الله تقديم الصدقة ، ثم أزال ذلك ، فردهم إلى ما كانوا عليه ، فإن شاءوا تقربوا بالصدقة إلى الله ، وإن شاءوا ناجوه من غير صدقة ، قال : فهذا معنى قول الشافعي : فرض مكان فرض ، فتفهمه .
قال الزركشي : والحاصل أن الصور أربع :
الأولى : جواز النسخ بلا بدل ، لا شك فيه ، وإنما فيه خلاف المعتزلة .
الثانية : وقوعه بلا بدل أصلا ، بحيث يعود الأمر كهو قبل ورود الشرائع ، ويتركون غير محكوم عليهم بشيء ، وهذا هو الذي منع الشافعي وقوعه ، وإن كان جائزا عقلا ، كما صرّح به إمام الحرمين في التلخيص .
الثالثة : وقوعه ببدل من الأحكام الشرعية ، إمّا إحداث أمر مغاير لما كان واجبا
هامش
( 1 ) انظر تيسير التحرير 3 / 197 .
( 2 ) انظر الرسالة للإمام الشافعي بتحقيق أحمد شاكر ص 108 ، 109 .