تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
أولا ، كالكعبة قبل المقدس ، أو الحكم بإباحة ما كان واجبا كالمناجاة ، والنسخ لم يقع إلا هكذا ، كما قاله الشافعي . وبه صرّح إمام الحرمين في التلخيص ، فقال بعد أن ذكر جواز النسخ لا إلى بدل : فإن قال قائل : كيف يتصور ذلك ، ولو وجبت عبادة فمن ضرورة نسخ وجوبها إباحة تركها ، والإباحة حكم من الأحكام ، وهو بدل من الحكم الثابت أولا ، وهو الوجوب ؟ ! قلنا : من مذهب من يخالفنا أن العبادة لا تنسخ إلا بعبادة ، ولا يجوّزون نسخا بإباحة ، على أن ما طالبتمونا به يتصور بأن يقال : الرب سبحانه وتعالى نسخ حكم العبادة ، وعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ورود الشرائع ، فهذا مما يعقل ولا ينكر ، فإن استروحوا في منع ذلك لقوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
« 1 » وهي مصرحة بإثبات البدل . قلنا : هذا إخبار بأن النسخ يقع على هذا الوجه ، وليس فيه ما يدل على أنه لا يجوز وقوع النسخ على غير هذا الوجه « 2 » ا . ه . فقد صرح بأن النسخ يقع على هذا الوجه ، بعد أن جوز وقوعه لا إلى بدل . الصورة الرابعة : وقوعه ببدل بشرط أن يكون تأصيلا لأمر آخر ، كالكعبة بعد المقدس ، ولم يشترطه الشافعي كما توهّم عليه « 3 » .

الأدلة :

استدل الجمهور على الجواز بدليلين عقلي ونقلي :

الدليل العقلي : ما قاله الآمدي أنّا لو فرضنا وقوع ذلك ، لم يلزم عنه لذاته محال في العقل ، ولا معنى للجائز عقلا سوى هذا ، ولأنه لا يخلو إما ألا يقال برعاية الحكمة في أفعال الله تعالى ، أو يقال بذلك ، فإن كان الأول فرفع حكم الخطاب بعد ثبوته لا يكون ممتنعا ؛ لأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء . وإن كان الثاني ، فلا يمتنع في العقل أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون بدل « 4 » . الدليل النقلي : دليل الوقوع ، قالوا بأن تقديم الصدقة بين المناجاة لرسول الله
هامش
( 1 ) سورة البقرة من الآية 106 . ( 2 ) انظر التلخيص لإمام الحرمين 2 / 480 فقرة 1230 . ( 3 ) انظر البحر المحيط للإمام الزركشي 4 / 93 - 95 ط الكويت ، وانظر الإبهاج لابن السبكي 2 / 262 . ( 4 ) انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3 / 195 .