أولا ، كالكعبة قبل المقدس ، أو الحكم بإباحة ما كان واجبا كالمناجاة ، والنسخ لم يقع إلا هكذا ، كما قاله الشافعي .
وبه صرّح إمام الحرمين في التلخيص ، فقال بعد أن ذكر جواز النسخ لا إلى بدل : فإن قال قائل : كيف يتصور ذلك ، ولو وجبت عبادة فمن ضرورة نسخ وجوبها إباحة تركها ، والإباحة حكم من الأحكام ، وهو بدل من الحكم الثابت أولا ، وهو الوجوب ؟ !
قلنا : من مذهب من يخالفنا أن العبادة لا تنسخ إلا بعبادة ، ولا يجوّزون نسخا بإباحة ، على أن ما طالبتمونا به يتصور بأن يقال : الرب سبحانه وتعالى نسخ حكم العبادة ، وعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ورود الشرائع ، فهذا مما يعقل ولا ينكر ، فإن استروحوا في منع ذلك لقوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
« 1 » وهي مصرحة بإثبات البدل .
قلنا : هذا إخبار بأن النسخ يقع على هذا الوجه ، وليس فيه ما يدل على أنه لا يجوز وقوع النسخ على غير هذا الوجه « 2 » ا . ه . فقد صرح بأن النسخ يقع على هذا الوجه ، بعد أن جوز وقوعه لا إلى بدل .
الصورة الرابعة : وقوعه ببدل بشرط أن يكون تأصيلا لأمر آخر ، كالكعبة بعد المقدس ، ولم يشترطه الشافعي كما توهّم عليه « 3 » .
الأدلة :
استدل الجمهور على الجواز بدليلين عقلي ونقلي :
الدليل العقلي : ما قاله الآمدي أنّا لو فرضنا وقوع ذلك ، لم يلزم عنه لذاته محال في العقل ، ولا معنى للجائز عقلا سوى هذا ، ولأنه لا يخلو إما ألا يقال برعاية الحكمة في أفعال الله تعالى ، أو يقال بذلك ، فإن كان الأول فرفع حكم الخطاب بعد ثبوته لا يكون ممتنعا ؛ لأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء .
وإن كان الثاني ، فلا يمتنع في العقل أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون بدل « 4 » .
الدليل النقلي : دليل الوقوع ، قالوا بأن تقديم الصدقة بين المناجاة لرسول الله
هامش
( 1 ) سورة البقرة من الآية 106 .
( 2 ) انظر التلخيص لإمام الحرمين 2 / 480 فقرة 1230 .
( 3 ) انظر البحر المحيط للإمام الزركشي 4 / 93 - 95 ط الكويت ، وانظر الإبهاج لابن السبكي 2 / 262 .
( 4 ) انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3 / 195 .