صلى اللّه عليه وسلم ، كان واجبا لقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً
« 1 » ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى :
أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
« 2 » ، وكان هذا النسخ بلا بدل .
ومن ذلك أيضا : أنّ الإمساك بعد الفطر عن المباشرة كان واجبا ، ثم نسخ بلا بدل ، لقوله تعالى :
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
« 3 » .
ومن ذلك أيضا أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي محرّما ، ثمّ نسخه مبيحا بلا بدل « 4 » على القول بنسخها كما مرّ .
ويدل على ذلك ما روي عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي ألا فكلوا وادخروا » « 5 » .
ولقد اعترض المانعون على هذه الأمثلة :
أما المثال الأول : لا نسلم أنّ هذا من قبيل النسخ بلا بدل ، بل هو من النسخ ببدل ، كل ما في الأمر أنّ البدل لم يثبت بالناسخ ، وإنما ثبت بدليل آخر ، وهو الدليل العام الطالب للصدقة ندبا من غير تقييد بالزمن الثابت في الكتاب والسنة .
وأما المثال الثاني : فلا نسلم أيضا أنه نسخ بلا بدل ، بل هو نسخ ببدل ، غاية ما في الأمر أن البدل لم يثبت بالناسخ ، بل ثبت بدليل آخر غير دليل النسخ ، وهو قوله تعالى :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ
« 6 » ، فهذا الدليل أباح المباشرة .
وأما المثال الثالث : فلا نسلم أيضا أنّه نسخ بلا بدل ؛ لأنّه مقرون بدليل ، حيث ثبت في الحديث المتقدم إباحة إمساك اللحوم ، فهذه إباحة شرعية هي بدل مفاد بدليل النسخ « 7 » .
أدلة القائلين بمنع النسخ بلا بدل :
استدلّ المانعون بقوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
« 8 » فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية ، أنه لا ينسخ إلا ببدل ، والخلف في خبره تعالى محال .
هامش
( 1 ) سورة المجادلة من الآية 12 .
( 2 ) سورة المجادلة من الآية 13 .
( 3 ) سورة البقرة ، من الآية 187 .
( 4 ) انظر مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد ، وحاشية التفتازاني 2 / 193 .
( 5 ) رواه البخاري 3 / 319 ، ومسلم 2 / 1561 ، والنسائي 4 / 73 ، وابن ماجة 2 / 1055 .
( 6 ) سورة البقرة ، من الآية 187 .
( 7 ) انظر تيسير التحرير 3 / 197 ، 198 .
( 8 ) سورة البقرة ، من الآية 106 .