تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميسر في علوم القرآن — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
أن تشريع الأحكام إنّما يحصل بعد الإذعان بالمبادئ الأساسية والتي نسمّيها بالأصول أو الأركان ، ثم أن الاستقرار الروحي والإذعان الكلي لأي طرح جديد ، سواء كان الطرح دينيّا أم اجتماعيّا أو شيئا آخر فلا بدّ أن تتبلور الصورة الأساسية الكاملة لذلك الطرح في أذهان المريدين أوّلا وبعده يكون تلقّي المبادئ الفرعية تباعا - وفق اللوازم والمناسبات - ثانيا . فعدم وجود أحكام للمعاملات وبعض العبادات في العهد المكي سببه أن الواردين في الإسلام والمعتنقين لم يمحّصوا جيدا ، ولم يتغلل في نفوسهم الإيمان ولكونهم قريبي عهد بالجاهلية وأعرافها التقليدية وأحوالها الماديّة ثم لم تكن في مكة دولة قائمة ولا سيادة لمبدأ سوى الشرك الذي ملأ الجزيرة العربية وأصبح السمة البارزة في عبادة الناس . فهكذا لون من الحياة المضطربة يتعذّر قيام دولة وبالتالي لا جدوى من تشريع . فالقانون وأي قانون لا بدّ أن يحظى بأرض وشعب ودولة ليأتي القانون فيحدّد علاقات الفرد بالمجتمع وعلاقة المجتمع بالدولة ، وعلاقة الدولة برعاياها . . . بهذا النسق في العلاقات تحدّد الوظائف والعلاقات والمهام . فتشريع الأحكام من عبادات ومعاملات لا بدّ من أسس مسبقة - كالتي ذكرنا بعضها - أن تتهيأ أوّلا حتى يصادف تطبيقه بصورة عقلائية ودقيقة . لكن عدم وجود تشريع لا يعني أن المحرّم مباح ، أو أن القبيح حسن . . وإنّما المحرمات محرّمة في الشريعة ابتداء إلّا أنها لم تظهر في بدء الأمر فهي مسكوت عنها لجملة أمور قدّرها سبحانه إلى أن يحين الظرف المناسب والمتمثّل بقيام الدولة الإسلامية في المدينة .

« ترتيب سور القرآن »

كانت سور القرآن مكتملة بآياتها وأسمائها ، إلّا أنها لم تجمع في مصحف واحد بل كانت السور مدوّنة في العسب والصحائف والرقاق واللخاف والأكتاف ، قال السيوطي : كان القرآن كتب كلّه في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتّب السور « 1 » .
هامش
( 1 ) الإتقان 1 / 181 .
الميسر في علوم القرآن — صفحة 89 | عبد الرسول الغفار