الدفتين ، الذي حواه مصحف عثمان أمير المؤمنين رضي اللّه عنه ، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه ، وأن بيان الرسول صلى اللّه عليه وسلّم كان بجميعه بيانا شائعا ذائعا وواقعا على طريقة واحدة ، ووجه تقوم به الحجة وينقطع العذر ، وأن الخلف نقله عن السلف على هذه السبيل ، وأنه قد نسخ منه بعض ما كانت تلاوته ثابتة مفروضة ، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه اللّه سبحانه ورتبه عليه رسوله من آي السور ، لم يقدّم من ذلك مؤخر ، ولا أخر منه مقدم ، وأن الأمة ضبطت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ترتيب آي كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها ، كما ضبطت عنه نفس القرآن وذات التلاوة ؛ وأنه قد يمكن أن يكون الرسول صلى اللّه عليه وسلّم قد رتب سوره على ما انطوى عليه مصحف عثمان ، كما رتب آيات سوره ؛ ويمكن أن يكون قد وكل ذلك إلى الأمة بعده ، ولم يتول ذلك بنفسه صلى اللّه عليه وسلّم ؛ وإن هذا القول الثاني أقرب وأشبه بأن يكون حقا على ما سنبينه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى ، وإن القرآن لم يثبت آية على تاريخ نزوله ، بل قدم ما تأخر إنزاله ، وأخر بعض ما تقدم نزوله على ما قد وقف عليه الرسول صلى اللّه عليه وسلّم من ذلك » . . . وساق الكلام إلى آخره في كتاب « الانتصار » للقرآن ، على كثرة فوائده ، رحمه اللّه .
قلت : وقد ذكرنا أسماء كتّاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم الذين كانوا يكتبون له الوحي وغيره في ترجمته صلى اللّه عليه وسلّم في « تاريخ دمشق » نحو خمسة وعشرين اسما ، واللّه أعلم .
وقد أخبرنا شيخنا أبو الحسن في كتاب « الوسيلة » عن شيخه الشاطبي « 1 » بإسناده إلى ابن وهب « 2 » قال : سمعت مالكا « 3 » يقول : إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون
هامش
( 1 ) الشاطبي : هو القاسم بن فيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد ، الحافظ أبو محمد الرعيني الأندلسي ، المعروف بالشاطبي المالكي المقرئ النحوي ، ولد سنة 528 ه ، وتوفي بمصر سنة 590 ه . من مصنفاته : « تتمة الحرز من قراء الأئمة الكنز » ، « حرز الأماني ووجه التهاني » القصيدة المشهورة بالشاطبية في القراءات ، « عقيلة أرباب القصائد في أسنى المقاصد » ، « ناظمة الزهر في أعداد آيات السور » . ( كشف الظنون 5 / 828 ) .
( 2 ) ابن وهب : هو عبد اللّه بن وهب بن مسلم القرشي ، أبو محمد المصري ، الحافظ الفقيه ، من أصحاب الإمام مالك ، ولد سنة 125 ه ، وتوفي سنة 197 ه . له من المصنفات : « أهوال القيامة » ، « تفسير القرآن » ، « الجامع في الحديث » ، « المجالسات عن مالك » ، « الموطأ الصغير » في الحديث ، « الموطأ الكبير » . ( انظر : كشف الظنون 5 / 438 ، وفيات الأعيان 1 / 312 ، تذكرة الحفاظ 1 / 279 ، تهذيب التهذيب 6 / 71 ) .
( 3 ) هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر التيمي الأصبحي الحميري ، أبو عبد اللّه ، إمام أهل المدينة ، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة ، ألف كتابه الضخم « الموطأ » في الحديث والفقه خلال أربعين سنة ، وكان أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة ، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث ، ولقي مالك بن أنس من العباسيين كل ضروب التعذيب ، توفي بالمدينة سنة -