وقد ذكر القاضي وغيره له تأويلات سائغة :
منها أنه لم يجمعه على جميع الوجوه والأحرف والقراءات التي نزل بها ، وأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أنها كلها شاف كاف ، إلا أولئك النفر فقط . .
ومنها أنه لم يجمع ما نسخ منه وأخل رسمه بعد تلاوته مع ما ثبت رسمه وبقي فرض حفظه وتلاوته ، إلا تلك الجماعة . . .
ومنها أنه لم يجمع جميع القرآن عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ويأخذه من فيه تلقيا ، غير تلك الجماعة ؛ فإن أكثرهم أخذوا بعضه عنه ، وبعضه عن غيره . . .
ومنها أنه لم يجمعه على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ممن ظهر به وأبدى ذلك من أمره وانتصب لتلقينه ، غير تلك الجماعة مع جواز أن يكون فيهم حفاظ لا يعرفهم الراوي إذا لم يظهر ذلك منهم . .
ومنها أنه لم يجمعه عنده شيئا بعد شيء كلما نزل حتى تكامل نزوله ، إلا هؤلاء ؛ أي أنهم كتبوه وغيرهم حفظه وما كتبه ، أو كتب بعضا .
ومنها أنه لم يذكر أحد عن نفسه أنه أكمله في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، سوى هؤلاء الأربعة ؛ لأن من أكمله سواهم كان يتوقع نزول القرآن ما دام النبي صلى اللّه عليه وسلّم حيّا ، فقد لا يستجيز النطق بأنه أكمله ، واستجازه هؤلاء ، ومرادهم أنهم أكملوا الحاصل منه .
ويحتمل أيضا أن يكون من سواهم لم ينطق بإكماله خوفا من المراءاة به ، واحتياطا على النيات كما يفعل الصالحون في كثير من العبادة ، وأظهر هؤلاء الأربعة ذلك ، لأنهم أمنوا على أنفسهم ، أو لرأي اقتضى ذلك عندهم .
قال المازري « 1 » : وكيف يعرف النقلة أنه لم يكمله سوى أربعة ، وكيف تتصور الإحاطة بهذا ، وأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم متفرقون في البلاد ؟ وهذا لا يتصور ، حتى يلقى الناقل كل رجل منهم فيخبره عن نفسه أنه لم يكمل القرآن ، وهذا بعيد تصوره في العادة .
وإن لم يكمل القرآن سوى أربعة ، فقد حفظ جميع أجزائه مئون لا يحصون ، وما من شرط كونه متواترا أن يحفظ الكلّ الكلّ ، بل الشيء الكثير إذا روى كل جزء منه خلق كثير علم ضرورة وحصل متواترا .
هامش
( 1 ) المازري : هو الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري ، المالكي ، توفي في ربيع الأول سنة 536 ه ، له من المصنفات : « إيضاح المحصول في برهان الأصول » ، « المعلم بفوائد كتاب مسلم » شرح صحيح مسلم . ( انظر : كشف الظنون 6 / 88 ، وفيات الأعيان 1 / 615 ) .