وأسند البيهقي في كتاب « الشعب » عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ، ثم فرق في السنين ، قال : وتلا الآية :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
[ الواقعة : 75 ] ، قال : نزل متفرقا « 1 » .
قلت : هو من قولهم : نجّم عليه الدية أي قطّعها ، ومنه نجوم الكتابة ، فلما قطّع اللّه سبحانه القرآن وأنزله مفرقا قيل لتفاريقه نجوم ؛ ومواقعها : مساقطها ، وهي أوقات نزولها ، وقد قيل : إن المراد
بِمَواقِعِ النُّجُومِ
مغارب نجوم السماء ، واللّه أعلم .
وقوله في الرواية الأولى : وكان بموقع النجوم : أي بمنزلة ذلك في تفرقه وعدم تتابعه على وجه الاتصال ، وإنما هو على حسب الوقائع والنوازل ، وكذا مواقع النجوم بحساب أزمنة معلومة تمضي . وقرئ
بِمَواقِعِ
بالجمع وبموقع بالإفراد .
وقال أبو الحسن الواحدي المفسر : وقال مقاتل « 2 » : أنزله اللّه من اللوح المحفوظ إلى السّفرة ، وهم الكتبة من الملائكة في السماء الدنيا ، فكان ينزل ليلة القدر من الوحي على قدر ما ينزل به جبريل على النبي صلى اللّه عليه وسلّم في السنة كلها إلى مثلها من العام القابل ، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر ، ونزل به جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام في عشرين سنة « 3 » .
وفي كتاب « المنهاج » « 4 » لأبي عبد اللّه الحليمي : كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في كل ليلة ، قدر ما ينزل على النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى الليلة التي تليها ، فينزل جبريل عليه السلام ذلك نجوما بأمر اللّه تعالى فيما بين الليلتين من السنة إلى أن ينزل القرآن كله من اللوح المحفوظ في عشرين ليلة من عشرين سنة .
قلت : فهذان قولان في كيفية إنزاله في ليلة القدر :
أحدهما : أنه نزل جملة واحدة .
هامش
( 1 ) انظر شعب الإيمان 1 / 370 ، والبسيط 5 / 493 وما بعدها .
( 2 ) مقاتل : هو مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني أبو الحسن المروزي ، المتوفى سنة 150 ه . له من المصنفات : « تفسير القرآن » ، « كتاب الأقسام واللغات » ، « كتاب الآيات المتشابهات » ، « كتاب التقديم والتأخير » ، « كتاب الجوابات في القرآن » ، « كتاب الرد على القدرية » ، « كتاب القراءات » ، « كتاب الناسخ والمنسوخ » ، « نوادر التفسير » . ( كشف الظنون 6 / 470 ، تاريخ بغداد 13 / 160 ، وفيات الأعيان 2 / 147 ، ميزان الاعتدال 3 / 196 ، تهذيب التهذيب 10 / 279 ) .
( 3 ) انظر الوسيط 2 / 953 ، والبسيط 5 / 493 وما بعدها .
( 4 ) انظر المنهاج 2 / 103 .