تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدخل لدراسة القرآن الكريم — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
وصنف فيه كتابا وسبقه إليه ابن منية ، ولما قال أبو الوليد ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسب على المنابر ، ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه وكتب إلى علماء الأطراف ، فأجابوا بما يوافقه ، ومعرفة الكتابة بعد أميته صلى اللّه عليه وسلم لا ينافي المعجزة ، بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم ، وقد رد بعض الأجلة كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح « إنا أمة أمية ، لا نكتب ولا نحسب » وقال : كل ما ورد في الحديث من قوله : « كتب » فمعناه أمر بالكتابة كما يقال كتب السلطان بكذا لفلان ، وتقديم قوله تعالى :
مِنْ قَبْلِهِ
على قوله سبحانه
وَلا تَخُطُّهُ
كالصريح في أنه عليه الصلاة والسلام لم يكتب مطلقا ، وكون القيد المتوسط راجعا لما بعده غير مطرد ، وظن بعض الأجلة رجوعه إلى ما قبله وما بعده ، فقال : يفهم من ذلك أنه عليه الصلاة والسلام قادرا على التلاوة والخط بعد إنزال الكتاب ولولا هذا الاعتبار لكان الكلام خلوا عن الفائدة : وأنت تعلم أنه لو سلم ما ذكره من الرجوع لا يتم أمر الإفادة ، إلا إذا قيل بحجية المفهوم ، والظان ممن لا يقول بحجيته ، ثم قال الآلوسي في تفنيد هذه الردود ما نصه : ولا يخفى أن قوله عليه الصلاة والسلام « إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » ليس نصا في استمرار نفي الكتابة عنه عليه الصلاة والسلام ، ولعل ذلك باعتبار أنه بعث عليه الصلاة والسلام وهو وأكثر من بعث إليهم ، وهو بين ظهرانيهم من العرب أميون ، لا يكتبون ولا يحسبون ، فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الأكثر بعد ، وأما ما ذكر من تأويل « كتب » بأمر بالكتابة فخلاف الظاهر ، وفي شرح صحيح مسلم للنووي عليه الرحمة نقلا عن القاضي عياض . أن قوله في الرواية التي ذكرناها « ولا يحسن يكتب فكتب » كالنص في أنه صلى اللّه عليه وسلم كتب بنفسه فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه ، ثم قال : وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة ، وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا فاللّه تعالى أعلم « 1 » والذي يترجح عندي أنه صلى اللّه عليه وسلم تعلم الكتابة بعد أن لم يكن يعلمها وكفى في هذا دليلا حديث البخاري ، ومستبعد جدّا
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 4 ، 5 ط منير ، وفتح الباري ج 7 ص 405 ، 406 .
المدخل لدراسة القرآن الكريم — صفحة 347 | محمد بن محمد ابو شهبة