إلا عنهم ، إذ هو من التابعين . وقوله : « بدءوا . . . إلى آخره » دليل على أن ذلك كان عن اتّفاق من جماعتهم . وما اتّفقوا عليه أو أكثرهم فلا شكول في صحته ، ولا حرج في استعماله . وإنما أخلى الصّدر منهم المصاحف من ذلك ومن الشكل من حيث أرادوا الدّلالة على بقاء السّعة في اللغات ، والفسحة في القراءات التي أذن اللّه تعالى لعباده في الأخذ / بها ، والقراءة بما شاءت منها . فكان الأمر على ذلك إلى أن حدث في الناس ما أوجب نقطها وشكلها .
وذلك ما حدثناه محمد بن أحمد بن علي البغدادي ، قال ثنا محمد بن القاسم الأنباري ، قال ثنا أبي ، قال حدثنا أبو عكرمة ، قال ، قال العتبيّ : كتب معاوية ، رضي اللّه عنه ، إلى زياد يطلب عبيد اللّه ابنه . فلما قدم عليه كلّمه ، فوجده يلحن ، فردّه إلى زياد ، وكتب إليه كتابا يلومه فيه . ويقول : أمثل عبيد اللّه يضيّع ؟ فبعث زياد إلى أبي الأسود ، فقال : يا أبا الأسود ، إن هذه الحمراء قد كثرت ، وأفسدت من ألسن العرب ، فلو وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم ، ويعربون به كتاب اللّه تعالى . فأبى ذلك أبو الأسود ، وكره إجابة زياد إلى ما سأل .
فوجّه زياد رجلا ، فقال له : اقعد في طريق أبي الأسود ، فإذا مرّ بك ، فاقرأ شيئا من القرآن ، وتعمّد اللّحن فيه . ففعل ذلك . فلمّا مرّ به أبو الأسود رفع الرجل صوته ، فقال : « أنّ اللّه برئ من المشركين ورسوله » « 1 » .
فاستعظم ذلك أبو الأسود ، وقال : عزّ وجه اللّه أن يبرأ من رسوله . ثم رجع
هامش
( 1 ) سورة التوبة 9 / 3 . وصلته : « وأذان من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه برئ من المشركين ورسوله » .