ويضع الزمخشري ( ت : 538 ه ) علم البلاغة في ذروة الإحاطة اللغوية ، فيعتبر علم المعاني وعلم البيان : الأصل القويم في معرفة التفسير لكتاب اللّه ، فالفقيه وإن تقدم ، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا ، والواعظ مهما بلغ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه ، واللغوي وإن تفوق ، لا يصل أحد من أولئك إلى حقائق التفسير « إلّا رجل قد برع في علمين مختصّين بالقرآن ، وهما علم المعاني وعلم البيان ، وتمهّل في ارتيادهما آونة ، ونصب في التنقير عنهما أزمنة » « 1 » .
واشتراط الزمخشري لعلم البلاغة يبدو وجيها حينما نلحظ أن المعنى اللغوي والجمود عليه وحده قد لا يؤدي المعنى التام ما لم يضمّ إليه الفهم البلاغي للنص ودلالته عليه ، فقد يدلّ الظاهر اللغوي منه على معنى ، إلا أنه يعود ناقصا بالنسبة لواقع المعنى الحقيقي ، لذلك يحترز بالبلاغة عن هذا النقصان ، ويستعاض بها لاستجلاء الحقائق .
ومما يؤيده قول الزركشي : « ومن أحاط بمظاهر التفسير ، وهو معنى الألفاظ في اللغة ، لم يكف ذلك في فهم حقائق المعاني ، ومثاله قوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 2 » فظاهر تفسيره واضح ، وحقيقة معناه غامضة ، فإنه إثبات للرمي ونفي له ، وهما متضادّان في الظاهر ما لم يفهم أنه رمى من وجه ولم يرم من وجه ، ومن الوجه الذي لم يرم ما رماه اللّه عز وجل » « 3 » .
وهذا يجرنا إلى دلالة الألفاظ لدى إطلاقها في القرآن الكريم عند الاستعمال ، وهو بحث تناوله الأصوليون بشيء من التفصيل المكثف ، وسأحاول تلخيص رأي سيدنا الأستاذ السيستاني دام ظله الوارف :
إن إطلاق اللفظ مع القصد لمعناه على نوعين :
1 - كون المعنى متعددا ، سواء أكانا حقيقيين أم مجازيين أم مختلفين .
هامش
( 1 ) الزمخشري ، الكشاف : 1 / 16 .
( 2 ) سورة الأنفال : 17 .
( 3 ) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 2 / 155 وما بعدها .