تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
القول ، واعتقاد القلب ، ولم يحتمل الأخرى إلا عقد اليمين قولا وجب حمل ما يحتمل وجهين على ما لا يحتمل إلا وجها واحدا ، فيحصل المعنى من القراءتين عقد اليمين قولا ، ويكون حكم إيجاب الكفارة مقصورا على هذا الضرب من الأيمان ، وهو أن تكون مقصودة ، ولا تجب في اليمين على الماضي لأنها غير مقصودة ، وإنما هو خبر عن ماض ، والخبر عن الماضي ليس بعقد سواء كان صدقا أو كذبا ، فإن قائل قائل : إذا كان قوله تعالى : ( عقدتم ) بالتخفيف يحتمل اعتقاد القلب ، ويحتمل عقد اليمين ، فهلا حملته على المعنيين إذ ليسا متنافيين ، وكذلك قوله تعالى :
بِما عَقَّدْتُمُ
بالتشديد محمول على عقد اليمين ، فلا ينفي ذلك استعمال اللفظ في القصد إلى اليمين ، فيكون عموما في سائر الأيمان ، قيل له : لو سلم لك ما ادّعيت من الاحتمال لما جاز استعماله فيما ذكرت ، ولكانت دلالة الإجماع مانعة من حمله على ما وصفت ، وذلك أنّه لا خلاف أن القصد إلى اليمين لا يتعلق به وجوب الكفارة ، وإن حكم بإيجابها متعلق باللفظ دون القصد في الأيمان التي يتعلق بها وجوب الكفارة ، فبطل بذلك تأويل من تأوّل اللفظ على قصد القلب في حكم الكفارة ، وثبت أن المراد بالقراءتين جميعا في إيجاب الكفارة هو اليمين المعقودة على المستقبل ، فإن قال قائل : قوله :
عَقَّدْتُمُ
بالتشديد يقتضي التكرار ، والمؤاخذة تلزم من غير تكرار فما وجه اللفظ المقتضي للتكرار مع وجوب الكفارة في وجودها على غير وجه التكرار ؟ قيل له : قد يكون تعقيد اليمين بأن يعقدها في قلبه ولفظه ، ولو عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيدا ؛ إذ هو كالتعظيم الذي يكون تارة بتكرير الفعل والتضعيف ، وتارة بعظم المنزلة ، وأيضا فإن في قراءة التشديد إفادة حكم ليس في غيره ، وهو أنه متى أعاد اليمين على وجه التكرار أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة ، وكذلك قال أصحابنا فيمن حلف على شيء ثم حلف عليه في ذلك المجلس أو غيره ، وأراد به التكرار لا يلزمه إلّا كفارة واحدة . فإن قيل : قوله : ( بما عقدتم ) بالتخفيف يفيد أيضا إيجاب الكفارة باليمين الواحدة . قيل له : القراءتان والتكرار جميعا مستعملتان على وصفنا ، ولكل واحدة منهما فائدة محددة » « 1 » . وكذلك فإن العلامة ابن العربي المالكي أورد القراءات الثلاث محتجّا بها جميعا ، وأشار إلى ضعف قراءة التخفيف على عادته في توهين ما انفرد بروايته الكوفيّون ، ثم اتّخذ من التأويل سبيلا لإعمال سائر المروي في ذلك وعبارته : قوله تعالى :
عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ
فيه ثلاث قراءات : عقّدتم
هامش
( 1 ) أحكام القرآن - الجصاص 2 / 455 .