تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
وأهل التأويل متفقون في هذا الموطن على أنهما لغتان لمعنى واحد ، وهو الاستخذاء ، والاستسلام ، والانقياد « 1 » ، وإن اختلفوا في غيره من المواطن « 2 » . فقد مرّ بك في تأويلهم لقوله سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً
« 3 » أن تعدد القراءات هنا يلزم منه تعدد المعاني ، فهي في البقرة دعوة إلى الدخول في الإسلام ، وإلى الدخول في المصالحة « 4 » ، فكل قراءة أدت معنى منهما . وهكذا فإن اتفاقهم في هذا الموطن على توحيد معنى السلم بالكسر والفتح ؛ يجعل تعدّد القراءات هنا بغير ثمرة ظاهرة من جهة تحرير الحكم الشرعي . ولكنني أوردت هذه الآية لأنبّه إلى أمرين اثنين : الأول : نقل أبو زرعة في حجة القراءات أن ( السّلم ) بالكسر الإسلام « 5 » ، وأشار إلى تواتر هذه القراءة ! وهذا النقل من أبي زرعة عجيب ؛ إذ يكون مؤدّى الآية حينئذ النّهي عن الدعوة إلى الإسلام ، وهو قول غريب لا يمكن أن يصدر عن أحد من أهل العلم . وقد تلمست معرفة سبب ذلك النقل ومصدره ، فلم أجد في ذلك إشارة لسابق أو تبريرا للاحق ، وتلمست له تأويلا يجعل الواو هنا حالية لا عاطفة على معنى : ( فلا تهنوا وأنتم تدعون إلى السلم ) ولكن ذلك لا يستقيم مع الجزم في ( وتدعوا ) الذي هو قراءة سائر العلماء والقراء ! وبعد بحث استغرق وقتا طويلا فإني أقول في هذا المقام : تبارك الذي لم يكتب العصمة إلا لكتابه ، وجلّ من لا يسهو ولا ينسى ، وهذا أبو زرعة على جلالة علمه وعظيم تحصيله وقع في خطأ يتنزّه عنه صغار الطلبة « 6 » ، فيجب التنبيه على ذلك ، والكامل اللّه ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه .
هامش
( 1 ) لسان العرب لابن منظور 12 / 293 ، مادة سلم . وانظر الكشاف للزمخشري 3 / 539 . ( 2 ) انظر 321 من هذا البحث ؛ حيث حررنا اختلافهم في تحديد معنى السّلم في قوله تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً. ( 3 ) المصدر نفسه ، والصفحة نفسها . ( 4 ) وهو اختيار قتادة من التابعين كما قدمناه . ( 5 ) حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة 670 . ( 6 ) أغلب الظّن أن ذلك خطأ من الناسخ ؛ إذ كتب الإسلام بدلا من الاستسلام . ولكن ذهل عنه المحقق أيضا .