تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
وهكذا فإن استقراء فصول جهاد النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يكشف لك أنه لم يخرج في سائر غزواته « 1 » إلا في هذا الإطار الدفاعي كما اصطلح عليه أهل الخبرة ، وهذا يقوي ما ذهب إليه النووي في شرح صحيح مسلم من تحديد علة القتال في الإسلام بظهور الحرابة من العدو .

ثمرة الخلاف :

أطلنا في هذه المسألة من نقل الأقوال ، والاختيارات من السلف والخلف في تحرير علة الجهاد ومناطه ، ولا شك أن هذه النقول والاستدلالات قد كشفت لك عن كثير من ثمرات تعدد القراءة . وأشير في هذا المجال أيضا إلى أن ورود القراءة بالكسر والفتح ( يقاتلون ) ويقاتلون أفادنا معنى جديدا ، وهو أن المقاتل قد يكون مظلوما أيضا ، كما هو الحال في ( المقاتل ) ، وهكذا فإنه ليس ثمة صورة واحدة لطبيعة الحرب في الإسلام ، إذ الأمور بمقاصدها ، وسواء كان الرجل مقاتلا أو مقاتلا ، فإن تقرير كونه ظالما أو مظلوما ، يحدد بدوافعه إلى القتال ، والظروف التي أحاطت به . وهذا يقوي ما ذهب إليه أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي أن الجهاد في الإسلام لا يوصف بأنه دفاعي ولا هجومي ، بل هو من نوع خاص ، ليس هجوميا ظالما للعالم ، وليس مجرد دفاع عن حدود الوطن والمصالح « 2 » . وكذلك فإن الإذن بالقتال للمقاتلين مقيد بكونهم ظلموا :
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
، وهذا يقوي أيضا ما أورده الدكتور وهبة الزحيلي من أن علّة المقاتلة إنما هي ظهور الحرابة والظلم من العدو « 3 » .

المسألة السادسة :

قوله تعالى :
فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ
[ التّوبة : 9 / 12 ] . قرأ ابن عامر : ( إنهم لا إيمان لهم ) بكسر الألف ، أي لا إسلام ولا دين لهم .
هامش
( 1 ) انظر سيرة ابن هشام وبحاشيتها الروض الأنف 3 / 29 . ( 2 ) انظر آثار الحرب في الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 124 . ( 3 ) المصدر نفسه والصفحة نفسها .