تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
بل مقتضى الدفاع أن تقدم ساعة الإقدام ، وتحجم ساعة الإحجام ، وتدرس نوايا عدوك ، وتكشف طواياه وتدبيره ، ففي عمل الدفاع كر وفر ، ومصاولة ومنازلة ، وإقحام وإحجام ، ودرع وسيف ، وحراب ورماح ، وكل ذلك مقرر لدى الأمم كلها في نشاطها العسكري الدفاعي . ففي كل وزارة دفاع في العالم دائرة عمليات ، واستطلاع ، وتجسس ، ومداهمة ، واقتحام ، وكل ذلك يسمى نشاطا دفاعيا . وإذا تقرر ذلك فإني أعتقد أن سائر صنوف الجهاد في الإسلام ، تندرج تحت إطار العمل الدفاعي بعد تحرير مناطه ، وتقرير مناشطه . ففي بدر خرج النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يريد عير قريش ، وهو منطق دفاعي مبرر ؛ إذ الأموال التي نتجتها القافلة هي متاع المسلمين المهاجرين في مكة ، ومن حقهم أن يحصلوا عليها بأي ثمن ، ولما فرّت القافلة حضرت قريش في جيش قوامه ثلاثة أضعاف جيش النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وألجأته إلى حرب لم يكن قد قصدها ، ولا سعى إليها ، ونذكر بهذه المناسبة أن بدرا تبعد عن المدينة نحو ( 180 ) كم فيما تبعد عن مكة ( 260 ) كم ، وذلك كله يكشف لك من هو الطرف الغازي في هاتين الجهتين . وفي أحد اعتصم رسول اللّه بمدينته ، ثم خرج إلى جبل أحد على بعد نحو أربعة أميال من المدينة يدفع عنها غارة قريش والأحابيش . وفي الخندق اعتصم النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مدينته ، وخندق على نفسه ، ولم يلق أذنا لاستفزاز قريش ، ولا لحماسة الشباب من أصحابه في عمل دفاعي صريح استمرّ نحو أربعين يوما ، حتى ردّ اللّه الذين كفروا بغيظهم ، وكفى اللّه المؤمنين القتال ، وكان اللّه قويّا عزيزا . ولعل ما يشكل في هذا الباب هو خروجه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى حنين ، والطائف لملاقاة ثقيف وهوازن ، ولكن قراءة سريعة لهاتين الغزوتين تظهر أن ثقيف وهوازن كانت قد جمعت حشودا هائلة بغرض غزو مكة ، وإخراج النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى أصبح في وادي حنين ثلاثون ألفا من الحلفاء ، كلهم مستعدّ للإغارة على مكة ، فكان مقتضى الدفاع حينئذ أن يخرج إليهم النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم بغارة اللّه فيصبحهم بعذاب وساء صباح المنذرين « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر سيرة ابن هشام ، وبحاشيتها الروض الأنف 3 / 29 .
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 334 | محمد الحبش