تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨

وثمرة الخلاف :

أن كلتا القراءتين أفادت النهي عن الرّفث والفسوق ، فالأولى على تقدير : لا يكون رفث ولا يكون فسوق في الحج ، والثانية على تقدير : لا تقترفوا رفثا ولا فسوقا . واستقلت الأولى بالنّهي عن الرّفث والفسوق في جميع الأوقات في الحج ، واستقلّت الثانية بالنهي عن الرّفث والفسوق بجميع أشكاله ، فيكون تعدد القراءات هنا ضروريا لتحقيق المعنيين معا ، إذ أفادت الأولى العموم ، وأفادت الثانية الإطلاق ، واللّه أعلم . أخرج الأصبهاني في الترغيب عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من عمل بين السماء والأرض بعد الجهاد في سبيل اللّه أحبّ إلى اللّه من جهاد في سبيله ، وحجة مبرورة متقبّلة ، لا رفث ولا فسوق ولا جدال فيها » « 1 » . قال أبو زرعة : « حجة من فتح أن يقول : إنه أبلغ في المقصود ، ألا ترى أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرّفث والفسوق كما أنه إذا قال : لا ريب فيه فقد نفى جميع هذا الجنس ، وإذا رفع ونون فكأن النفي لواحد منه ، فالفتح أولى لأن النّفي به أعمّ ، والمعنى عليه لأنه لم يرخص في ضرب من الجدال » « 2 » ، ثم أورد إيضاحا آخر للمعنى الذي دلّت له قراءة النصب فقال : فالفتح جواب قائل : هل من رفث ؟ هل من فسوق ؟ ف ( من ) يدخله للعموم و ( لا ) أيضا تدخل لنفي العموم ، وإذا قلت : « هل من رجل في الدار » فجوابه : « لا رجل في الدار » « 3 » . وأما الذين قرءوا بالرفع فإنهم لم ينكروا هذه الدلالة ، ولكن قالوا : « إنها تعرف من فحوى الخطاب ولو قرأت بالرفع ، وقد يكون اللفظ واحدا والمراد جميعا » « 4 » . والخلاصة أن القراءتين متكاملتان في الدلالة على المعنى في وجوب نفي الرّفث والفسوق والجدال بشتى أشكاله . بقي أن نشير إلى معنى الرّفث المنهي عنه ، وهو إتيان النساء ، وقد صرح بذلك من
هامش
( 1 ) أورده السيوطي في الدّر المنثور ، ط دار المعرفة 1 / 220 . ( 2 ) حجة القراءات لأبي زرعة 124 . ( 3 ) المصدر نفسه . ( 4 ) المصدر نفسه .